إعلان

تركيا وإيران بين ترامب وبايدن

المصدر: النهار العربي
واشنطن- هشام ملحم
دونالد ترامب ورجب طيب أردوغان
دونالد ترامب ورجب طيب أردوغان
A+ A-
سوف يرث الرئيس المنتخب جوزف بايدن من الرئيس دونالد ترامب علاقات متوترة مع دول شرق أوسطية محورية مثل إيران المعادية، وتركيا الحليف غير الموثوق به. وحتى العلاقات مع أصدقاء قدامى مثل إسرائيل والسعودية قد تشهد "مراجعة" من الإدارة الأميركية الجديدة. ولكن العلاقات المتوترة والمعقدة مع إيران وتركيا قد ترغم الرئيس بايدن على اعطائها اهتماماً كبيراً ومبكراً مع أن أولويات الرئيس الجديد هي داخلية بامتياز مثل مكافحة فيروس كورونا ومساعدة ضحاياه، وإنعاش الاقتصاد وإخراجه من أسوأ أزماته منذ الكساد الكبير في ثلاثينات القرن الماضي.
 
خلال سنواته الأربع في البيت الأبيض، تغاضى الرئيس ترامب عن سياسات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان العدائية في سوريا والعراق واستفزازاته ضد اليونان وقبرص في شرق وجنوب البحر المتوسط حيث يريد التنقيب عن النفط والغاز في مناطق متنازع عليها. لا بل إن ترامب، الذي كان دائماً يبدي إعجابه بأردوغان وأسلوبه الاوتوقراطي، لم ينتقد تركيا حين انتهكت القانون الأميركي الذي يحظر على الحلفاء شراء الأسلحة الروسية، بعدما اشترى أردوغان منظومة الصواريخ أس– 400، وأغضب أعضاء حلف شمال الأطلسي "الناتو" في أوروبا. ترامب رفض توصيات مستشاريه ومن بينهم وزير الخارجية مايك بومبيو فرض عقوبات على أنقرة لشرائها هذه الصواريخ الروسية.
 
في المقابل اعتمد ترامب أسلوب "الضغوط القصوى" ضد إيران بعد أن أعاد فرض العقوبات الاقتصادية القاسية عليها، والتي كانت إدارة الرئيس السابق باراك أوباما قد رفعتها عن طهران، بعد توقيع الاتفاق النووي مع الدول ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن وألمانيا في 2015، والذي انسحب منه ترامب في 2018. ترامب اكتفى بفرض الضغوط القصوى على إيران، ولكنه لم يفعل ذلك في سياق استراتيجية سياسية، وكأن سياسته تجاه إيران بفرض الضغوط الاقتصادية والسياسية القصوى هو من أجل فرضها فقط، وليس لتحقيق أهداف سياسية ملموسة كما يفترض. وهو كان يقول بين وقت وآخر إنه يريد التفاوض مع إيران للتوصل الى اتفاق نووي أفضل، ولكن جميع ممارساته ومواقفه أظهرت أنه لم يكن جدياً، ولم يحاول التعامل في شكل واقعي ومن خلال التعاون مع الحلفاء في أوروبا مع التحديات التي تمثلها إيران.
 
من جهته، أعرب الرئيس المنتخب بايدن عن أمله باستئناف المسار الديبلوماسي مع إيران لبحث إمكان إحياء وتطوير الاتفاق النووي اذا كانت إيران مستعدة لذلك. وكان بايدن قد انتقد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات ضد إيران واعتبر ذلك "إخفاقاً خطيراً"، قائلاً إن "هناك وسيلة ذكية لاعتماد سياسة قوية تجاه إيران". وتعهد بايدن في مقال نشره في أيلول (سبتمبر) الماضي أنه "اذا اختارت إيران المواجهة فأنا مستعد للدفاع عن مصالحنا الحيوية وعن جنودنا"، وأضاف: "ولكنني مستعد للسير على الطريق الديبلوماسي اذا اتخذت إيران الخطوات التي تؤكد أنها أيضاً مستعدة لذلك".
 
في المقابل، من المتوقع ان يعتمد الرئيس المنتخب بايدن، سياسة أكثر تشدداً تجاه الرئيس التركي أردوغان الذي وصفه "بالأوتوقراطي" بسبب انتهاكاته حقوق الإنسان وترهيبه للصحافة. وحتى إذا أراد بايدن أن لا يستعجل باتخاذ الإجراءات العقابية ضد تركيا لأنه يريد تحسين العلاقات مع حلف "الناتو"، وتركيا هي عضو في الحلف، فإنه سيجد أن الاستياء من تركيا في الكونغرس الأميركي وفي أوساط الحزبين قد وصل الى مستويات غير معهودة ربما منذ الغزو التركي لشمال قبرص في 1974، حين فرض الكونغرس حظراً على تزويد تركيا بالأسلحة. وكان كل من مجلسي النواب والشيوخ قد ألحق بميزانية وزارة الدفاع عقوبات على تركيا بسبب شرائها منظومة صواريخ أس-400 التي فرض الرئيس ترامب الفيتو ضدها، والتي سارع مجلس النواب الى إلغاء الفيتو الرئاسي بما يزيد على أكثرية الثلثين المطلوبة. ومن المتوقع أن يتخذ مجلس الشيوخ قراراً مماثلاً.
 
المسؤولون الذين عينهم الرئيس المنتخب جوزف بايدن في المناصب الأمنية والعسكرية لا يتحدثون عن سياسة الإدارة الجديدة حول تركيا، ولكن أصدقاء بايدن في الكونغرس ومن بينهم السناتور الديموقراطي كريس فان هولن، يقولون بصراحة إن أردوغان قد خسر محاميه في واشنطن حين انتخب الأميركيون جوزف بايدن رئيساً. وقال فان هولن لصحيفة "النيويورك تايمس": "على مدى بضع سنوات وفّر الرئيس ترامب شخصياً الحماية لأردوغان وتركيا". وأضاف ان الرئيس بايدن سيفرض القيود على "جهود أردوغان لتوسيع نفوذه على حسابنا، وبطريقة تضر بمصالحنا". 
 
القضايا الخلافية بين أردوغان وإدارة بايدن عديدة وتبدأ بحقوق الإنسان في الداخل، وتشمل التدخل التركي السلبي في سوريا، وصواريخ أس– 400 واستفزازات أنقرة لكل من اليونان وقبرص بشأن مصادر الطاقة في البحر المتوسط وطموحات تركيا العسكرية. وكانت تركيا في السنوات الماضية قد أقامت قواعد عسكرية في قطر والصومال والعراق وسوريا وليبيا، ما أعطاها القدرة على نشر قواتها الجوية والبحرية والبرية في مناطق بعيدة من حدوها، لفرض نفوذها في مياه الخليج والقرن الأفريقي والبحر الأحمر وفي شمال أفريقيا. هذا الانتشار العسكري أثار استياء مجموعة كبيرة من الدول مثل دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العرببية السعودية ومصر وإسرائيل واليونان وقبرص وفرنسا.
 
ولكن بايدن، قد يجد في الأيام المقبلة، وقبل تسلّمه السلطة بأقل من عشرين يوماً، أن العلاقات المتوترة بين إيران وادارة الرئيس ترامب مرشحة لأن تتحول الى مواجهة ساخنة. وكان الرئيس ترامب قد ناقش في اجتماع عقده بعد الانتخابات مع كبار مساعديه لشؤون الأمن القومي، إمكان استخدام القوة العسكرية ضد بعض المنشآت النووية الإيرانية بعد أن كشفت وكالة الطاقة النووية أن إيران قد انتهكت بعض بنود الاتفاق النووي "الذي انسحب منه ترامب" لجهة زيادة كمية اليورانيوم المخصب والتي قالت الوكالة إنها تفوق الكمية المسموح بها وفقاً للاتفاق. ولكن كبار مساعدي ترامب أقنعوه بأن سلبيات الضربة العسكرية تفوق حسناتها.
 
وفي الأسابيع الماضية، ومع اقتراب الذكرى السنوية الأولى للغارة التي أمر بها الرئيس ترامب في الثالث من كانون الثاني (يناير) 2020 والتي قتلت قائد "فيلق القدس" التابع لـ"الحرس الثوري" الإيراني قاسم سليماني، وأبو مهدي المهندس أحد أبرز قادة قوات "الحشد الشعبي" العراقي الموالية لإيران، قرب مطار بغداد الدولي، ازداد التوتر بين الطرفين. وازدادت وتيرة الهجمات الصاروخية ضد موقع السفارة الأميركية في بغداد وضد القواعد التي تنتشر فيها القوات الأميركية في العراق. وفي العشرين من الشهر الجاري تعرضت السفارة الأميركية الى رشق صاروخي اعتبر الأكثر كثافة وخطورة خلال العقد الأخير، الأمر الذي دفع بالرئيس ترامب الى تحذير إيران، من أن في حال أدت الهجمات الى قتل جندي أميركي واحد فإنه سيحملها مسؤولية هذا العمل، داعياً القادة الإيرانيين للتفكير ملياً بهذا التحذير. 
 
وفي الأسابيع التي سبقت وتلت التحذير، قامت الولايات المتحدة بتعزيز قواتها الجوية والبحرية في منطقة الخليج من خلال إرسال طائرات استراتيجية قاذفة من طراز "ب 52" التي كانت تنطلق من قاعدتها في ولاية نورث داكوتا لتحلق لمدة 36 ساعة من دون توقف بما في ذلك قرب سواحل إيران مع طائرات مقاتلة، قبل أن تعود الى قاعدتها، في تحذير واضح لإيران. وتزامن ذلك مع الإعلان عن إرسال غواصة مسلحة ومجهزة بصواريخ توماهوك، وإبقاء حاملة الطائرات نيميتز قرب مياه الخليج.
 
وقبل أيام قال الجنرال كينيث ماكينزي قائد القوات المركزية التي تشرف على القوات الأميركية في الشرق الاأوسط أن الولايات المتحدة تواصل نشر قدراتها القتالية في المنطقة "لردع أي خصم محتمل، ولكي نوضح للجميع أننا مستعدون وقادرون على الرد ضد أي عدوان موجه ضد الأميركيين أو ضد مصالحنا".
وفي اليومين الماضيين قال مسؤولون أميركيون في  أيجازات خلفية إنهم لاحظوا اتصالات متزايدة بين مسؤولين في "فيلق القدس" وقادة عراقيين في قوات "الحشد الشعبي"، كما لاحظوا وصول شحنات جديدة من الأسلحة الى قوات "الحشد" عبر الحدود الإيرانية. ويحذر هؤلاء المسؤولون من أن الأخطار التي تهدد الأميركيين في العراق حقيقية وهي الأكثر جدية منذ قتل قاسم سليماني. هذا التقويم الاستخباراتي الأميركي دفع بواشطن الى تقليص عديد العاملين بسفارتها في بغداد، وهو قرار تزامن مع مواقف لمسؤولين عراقيين اعربوا فيها عن مخاوفهم من أن يتحول العراق الى مسرح لمواجهة جديدة بين القوات الأميركية والميليشيات العراقية المدعومة من إيران.
 
بعض المعنيين بالعلاقات الأميركية - الإيرانية يقولون إن الاتصالات بين الإيرانيين وقوات "الحشد الشعبي" قد تهدف لاتخاذ إجراءات احترازية تحسباً لضربة عسكرية أميركية، ويشيرون في هذا السياق الى اجتماع البيت الأبيض والذي ناقش فيه ترامب احتمال توجيه ضربة عسكرية ضد إيران. ويضيف هؤلاء أن النظام الإيراني، يأخذ تحذيرات ترامب على محمل الجد، ولذلك فإن مصلحته تقضي بعدم استفزاز ترامب الذي ستنتهي ولايته خلال أسابيع، وانتظار ما سيفعله الرئيس الأميركي الجديد. وسوف يراقب الرئيس المنتخب بايدن بقلق، مثله مثل ملايين الأميركيين الى أين سيصل التوتر الحالي بين الطرفين، وما اذا كان سيرث أزمة سياسية حادة، أم نزاعاً ساخناً، لا يريده.
 
 
 
 
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم