إعلان

شيء عن حادثة المقام

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
سما عبدالهادي
سما عبدالهادي
A+ A-
اليوم سيكون قد مضى على احتجاز الفنانة الفلسطينية العالمية الشابة "سما عبد الهادي" في نيابة مدينة أريحا سبعة أيام، بعد أن مددت النيابة احتجازها ل 15 يوما "على ذمة التحقيق"،بتهمة اقامة حفل موسيقي راقص في موقع "مقام النبي موسى". ثمة وعود تسربت للعائلة بإنهاء احتجازها قبل ليلة السنة الجديدة، تبين أنها غير دقيقة، بموازاة ذلك تتصاعد على مواقع التواصل الاجتماعي حملة للمطالبة باطلاق سراحها ومحاسبة الجهات الرسمية التي أمرت باحتجازها، بمشاركة واسعة من مؤسسات المجتمع المدني والعاملين في الشأن الثقافي في فلسطين ومؤسسات وجهات دولية، بعدما اتضح أنها منحتها تصريحاً لتصوير مقطع من فيلم ترويجي للمناطق الأثرية في فلسطين، وللفنانين الفلسطينيين عبر موسيقى "التكنو" في ساحة السوق والمنطقة السياحية في  مقام  "النبي موسى".
 
وبعيداً عن اجتهادات "سوء التقدير" في اختيار موقع التصوير الذي كان ضمن ثلاثة مواقع، ضمت الى جانب المقام؛ قصر هشام في أريحا ومدينة سبسطية الرومانية، يبرز بشكل مؤلم "سوء ادارة" حكومة شتية للأزمة وتخبطها في التعامل مع ارتداداتها الشعبية الفلسطينية والدولية، ومحاولة التماهي مع حالة "الهيجان" التي غذتها حملة من الشائعات والتهويل والمبالغات الغريبة والتحريض، وتحويل وجهة هذا الهيجان نحو فريق التصوير والمؤدين من الراقصين الشباب، وموسيقى التكنو نفسها، والتي توجت باحتجاز الفنانة سما عبد الهادي ثم تمديد هذا الاحتجاز.
 
ينبغي عزل احتجاز "سما عبد الهادي" عن ثقافة  بعض المسؤولين والنشطاء، اذ لا يجوز تطويع القانون تبعاً لهذه الذائقة حول موسيقى "التكنو"، اذ ستضطر الجهات الرسمية، ضمن هذه المقاربة، الى احتجاز المهتمين ب "الهيب هوب" و"الراب" وشعراء "قصيدة النثر"، والنحاتين والرقص المعاصر ....الى آخر القائمة.
 
وينبغي عزل الحق المدني، الذي من المفترض أن تتمتع به، عن الاشاعة والتحريض، أو محاولة ربط الدفاع عن حقها المدني بالاستهانة بالمقدسات وهيبة المعتقد، هذا غير صحيح على الاطلاق ويحمل شبهة الابتزاز والتحريض ولا يعمر أمام الحقائق.

كرة ثلج تحوّلت استراتيجية السلطة في التنصل من مسؤوليتها، استراتيجية قائمة على ارضاء الشائعة وتبنيها على نحو مضمر، وتغذيتها عبر احتجاز الفنانة ثم اعلان وزارة الأوقاف، التي يحمل حقيبتها رئيس الوزراء، عن حصر منطقة المقام بالفعاليات الدينية، ما يعني التراجع عن الاعلان الذي تبناه رئيس الوزراء نفسه عام 2019 باعتبار الموقع منطقة ثقافية عالمية، كان ذلك خلال احتفال الانتهاء من ترميم مباني المقام واضافة عشرات الغرف الفندقية وافتتاح السوق/ البازار والساحة بحضور وفود أوروبية وجهات تمويلية. الاحتفال الذي تضمن عروضاً فنية تواصلت فيما بعد ضمن التوجه الثقافي المعلن عنه.
 
يقع موقع المقام على طريق اريحا-القدس التاريخي في منطقة صحراوية ويعود البناء الى السلطان المملوكي الظاهر بيبرس، أما فكرة الموسم فتعود الى صلاح الدين الذي أمر إثر "صلح الرملة" باحياء المواسم الدينية، في توزيع جغرافي يغطي فلسطين، موسم النبي صالح في الرملة ومحيطها، موسم النبي روبين في يافا وموسم المنطار في غزة والتي حظيت أيضاً "بموسم دير الروم"، شعبياً يعرف بـ" الداروم" أو "الدارون"، وحدد لهذه المواسم الفترة ما بين نهاية آذار (مارس) وحتى نهاية نيسان (ابريل)، وهي فترة الأعياد الدينية المسيحية وفترة قدوم "الفرنجة" من خارج فلسطين لزيارة الأماكن المقدسة، كانت فكرة صلاح الدين ان يشكل انعقاد هذه المواسم نوعا من الاستنفار والتوازن الديمغرافي مع جموع الحجاج القادمين من أوروبا.
 
في الحقبة العثمانية اكتسب المقام حضوراً اقليمياً حيث كانت الوفود تصل من دمشق ومصر، وفي عام 1819 جرت عملية اصلاح للموقع وأضيف إليه رواق بأمر من والي صيدا وطرابلس عبدالله باشا.
 
في العصر الحديث ارتبط باسم الحاج أمين الحسيني الذي منح الموسم بعداً وطنياً في مواجهة الانتداب البريطاني والهجرة الصهيونية، ومنه انطلقت ثورة العشرين ضد الانتداب.
خلال فترة الاحتلال أهمل الموقع وأحيط بمنطقة عسكرية وتحول في فترة الى مكان للمتعاطين بالمخدرات، ثم الى مركز لمعالجتهم قبل أن يجري ترميمه بشكل شامل وتحويله الى مركز ثقافي عالمي في احتفال في تموز (يوليو) من العام الماضي.
 
تبدو سيرة المقام جزءاً من التاريخ الفلسطيني، ولعل إحدى انجازات حكومة شتية في هذا الشأن هي إعادة احياء تاريخ المكان ومنحه سمة عصرية، وتحويله الى مركز ثقافي سياحي منفتح على العالم دون المس بقيمته التاريخية والتراثية. وهو الأمر الذي، اذا صح خبر وزارة الأوقاف، يتم التراجع عنه بشكل انفعالي ومرتبك في فوضى محاولة التهرب من المسؤولية أمام حزمة من الشائعات والصراخ، وسيشكل خسارة مضاعفة كانت الجهات الرسمية الفلسطينية بغنى عنها لو تمتعت بشجاعة مواجهة الخطأ الذي ارتكبته، عبر وضع سياسات خاصة للأنشطة المقامة في المواقع التراثية في فلسطين، وهي كثيرة، من جهة، واحترام القانون وتحقيق العدالة من جهة ثانية، بدل محاولة الاستقواء على الثقافة، والتناقض الغريب مع شعاراتها، والانفصام الذي برز بين خطابها للجهات الممولة وسلوكها تجاه دور هذه الثقافة.
 
التهرب من الخطأ يستدعي سلسلة من الأخطاء، والحفرة التي حاولت السلطة تجاهلها تتدحرج خلفها وتتسع.
.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم