ماذا عن إنشاء منظمة إقليمية أمنية في الشرق الأوسط كوسيلة للتفاهمات؟

المصدر: النهار العربي
راغدة درغام
راغدة درغام
بوارج أميركية في مياه الخليج
بوارج أميركية في مياه الخليج
A+ A-
لافتٌ اندفاع أكثر من جبهة ودولة نحو صياغة نظام أمني جديد لمنطقة الخليج والشرق الأوسط يضم إيران وإسرائيل وتركيا والدول العربية. لافت من ناحية التوقيت وهوية الذين يدفعون الآن نحو مثل هذه البُنية الأمنية وكذلك لجهة الرسائل المُبطّنة التي ترافق هذه الأفكار والمقترحات وتوحي باستعداد طهران للانضمام الى هذه الهيكلية إنما بتدريجية ومن دون إسرائيل في المرحلة الأولى.
 
الدول الخليجية التي وقّعت الاتفاقيات مع إسرائيل كانت قد أوضحت منذ زمن أن سياستها الإقليمية هي نزع الفتيل de-escalation، وهو التعبير الذي استخدمه وزير الدولة للشؤون الخارجية في الإمارات أنور قرقاش في شهر أيار (مايو) الماضي أثناء مشاركته في الحلقة المستديرة الافتراضية الأولى لقمة بيروت انستيتيوت في أبو ظبي. هذه السياسة شملت إيران قبل أن تشمل إسرائيل. طهران سبق وطرحت مفهومها للنظام الأمني الإقليمي الجديد والقائم عملياً على تفكيك مجلس التعاون للدول الخليجية العربية GCC ليحلّ مكانه هيكل أمني إقليمي يضم الدول الخليجية العربية الست – السعودية والإمارات والكويت وعمان وقطر والبحرين – مع إيران والعراق. لم يلقَ هذا الطرح اندفاع الدول الخليجية العربية لأسباب عديدة أبرزها، أولاً عدم الاستعداد لتفكيك مجلس التعاون، وثانياً، الاقتناع بأن طهران تنوي الهيمنة على القرار في هذه البنية البديلة. ثم أتت موسكو بفكرة نظام أمني جديد طرحته الأسبوع الماضي مجدداً أمام مجلس الأمن الدولي لاقى معارضة أميركية صريحة انطلاقاً من اعتباره تمريراً لإيران وقفزاً على ما تطالبها به إدارة ترامب. 
 
بالرغم من كل هذا، لافتٌ الاندفاع الى إنشاء منظومة أمنية إقليمية تضم الأضداد في زمن تمسّك الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بمشروع "الإخوان المسلمين" واستعادة المجد العثماني. لافتٌ في مرحلة استيلاء "الحرس الثوري" على السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية بصورة غير مسبوقة. ولافت لأنه يأتي بتزامن مع تطبيع دول عربية عدة علاقاتها مع إسرائيل في الوقت الذي تحذف فيه السلطة الفلسطينية نفسها عن ايقاع الحوادث. ولافتٌ لأن الدول العربية نفسها ما زالت مشرذمة ومشتّتة في خلافاتها العميقة.
 
أثناء الحلقة الافتراضية الأخيرة لقمة بيروت انستيتيوت في أبو ظبي، تعمّد تيري رود لارسن طرح الفكرة وهو المعروف بأدواره العديدة في الشرق الأوسط، من اتفاقيات أوسلو الى المفاوضات على الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، ومعروف أيضاً بانتقاداته اللاذعة لإيران.
 
 
قال لارسن، إن "الشرق الأوسط هي المنطقة الوحيدة في العالم التي ليس فيها منظمة إقليمية تضم جميع بلدان المنطقة، الأصدقاء والأعداء" وحيث "لا توجد منظمة تضم كل العرب وتركيا وإيران وإسرائيل". وأضاف، أن "علينا أن نصنع طاولة واحدة يجلس اليها الجميع"، وزاد: "إنْ لم يفعلوا، ستعمّ الفوضى العامة والفوضى السياسية في الشرق الأوسط وستعاني أوروبا أكثر من غيرها نتيجة ذلك. فرجاءً، اجلسوا الى الطاولة". قال إن سياسة "الكرسي الفارغة" أثبتت عقمها واعتبر أن "الحدث الأكثر إيجابية هو إقامة الإمارات والبحرين والسودان علاقات مع إسرائيل. إنما علينا أن نخلق طاولة يجلس اليها الجميع – الأتراك والإيرانيون والإسرائيليون والعرب، وإلاّ ستستمر منطقة الشرق الأوسط في الأزمات". وقال أيضاً انه "تحدّث مع وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الذي أكد له أن إيران جاهزة للدخول في مثل هذه المنظمة إنما، من دون إسرائيل". وهنا اللغز. لغز اندفاع رود لارسن لتسويق الفكرة بدون إسرائيل ما لم يكن تلقى تطمينات إيرانية بالتدريجية.
 
الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية عمرو موسى، أكد أنه كان صاحب فكرة مماثلة وموسّعة طرحها أثناء القمة العربية في سرت عام 2010 حيث قدّم رسمياً اقتراح "الجوار العربي" في جلسة مغلقة لاقت اعتراض كل من الرئيس المصري حينها حسني مبارك والعاهل السعودي الملك عبدالله لأنه طرحها "من دون إخطار مسبق" ولاعتبارها "تحركاً مبكراً"، بحسب قوله. تلك الفكرة شملت 40 دولة ممتدة من الجوار في غرب آسيا، أي إيران وتركيا وإسرائيل، والحزام الذي يضم دول الساحل والصحراء، وكذلك القرن الأفريقي، قال موسى. وأضاف أن المعادلة هي "الصلح أولاً ثم التنظيم الاقليمي كإطار للتفاهم؟ أو انشاء نظام اقليمي كوسيلة للتفاهم؟".
 
السؤال في غاية الأهمية. والجواب في منتهى التعقيد. فبين كل اللاعبين في منطقة الشرق الأوسط والخليج نوع ما من العلاقات مهما بدا العداء قاطعاً. قصة إيران – كونترا فضحت البُعد الإسرائيلي في العلاقة الأميركية - الإيرانية. أذربيجان تُعرّي عمق التعاون بين تركيا وإسرائيل. القيادة الفلسطينية ضمنت لنفسها موقع قدم في فلسطين عندما فاوضت إسرائيل سراً في أوسلو. فالقصص عديدة.
 
ادوارد لوتواك مؤرخ واستراتيجي ومستشار حكومي تعاقدي أميركي شارك في الحلقة الافتراضية سويةً مع السير جيريمي غرينستوك ووزير الخارجية اللبناني الأسبق ناصيف حتي، وفي رأيه أن توصية رود لارسن "يمكن اعتبارها خيالاً في الماضي، انما لم يعد هذا هو الحال". لوتواك لا يتوقف عند ما يسمّيه بعراقيل القادة على نسق عرقلة الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان ومشاريع إحياء "العثمانية الجديدة التي بدأت بالتدهور شأنها شأن الدعم المحلي لأردوغان الذي سيُرحَّله في الانتخابات المقبلة". التمييز بين القادة وبين الدولة مهم جداً "تركيا ستبقى دولة فائقة الأهميّة" قال لوتواك "إنما ليس الدولة التي تخوض المغامرات أينما كان. ستبقى دولة مهمّة وستستمر في ثقلها في اطار الموازين مع إيران". ورأيه أن "في تركيا عدد كبير من المثقفين وهم لن يسمحوا باستمرار المسلسل الطويل soap opera لمشروع أردوغان بالعثمانية الجديدة".
 
ماذا عن الشعب الإيراني؟ هل هو غير جاهز أو عاجز عن ايقاف مسيرة المغامرات الإقليمية التي تخوضها الجمهورية الإسلامية الإيرانية بموجب عقيدة وعقائدية مترسّخة في وجودية النظام؟ لن يكون في الإمكان إنشاء الية بنيوية أو هيكلية أمنية إقليمية في الشرق الأوسط، طالما إيران وتركيا تتخذان التوسّع أساساً لمغامراتهما في الجغرافيا العربية. لا منطق في طرح الفكرة ما لم تكن الحسابات قائمة على رحيل أردوغان عن السلطة في تركيا وعلى إحداث تغيير جذري في فكر وعقيدة ومشاريع قيادات الجمهورية الإسلامية الإيرانية. والأمران ليسا بديهيين.
 
ثم ماذا عن العرب وإسرائيل؟ لن يكون هناك سلام عربي - إسرائيلي شامل إذا أحبطت إسرائيل، نتيجة عقائديتها، إقامة الدولة الفلسطينية وإذا افترضت أن هوية الدولة اليهودية تُعطيها حق معالجة مشكلتها الديموغرافية على مزاجها.
هنا يعود السؤال المهم الذي طرحه عمرو موسى: الصلح أولاً ثم التنظيم الإقليمي كإطار للتفاوض؟ أو إنشاء نظام إقليمي كوسيلة للتفاهم؟ قد يكون من السابق لأوانه الإجابة القاطعة، إنما يبدو أن ما يحدث في الفلك الديبلوماسي والجغرافي – السياسي يرجّح بدء التهيئة لإقامة هيكلية إقليمية تدريجية في ضمّها دول الشرق الأوسط بصورة جديدة وغير معتادة.
 
ناصيف حتي يرى أن "الخطر في الشرق الأوسط هو استخدام هويات عابرة للقوميات، سواء كانت طائفية أو عرقية أو دينية أو غيرها من أجل منح أنفسنا الحق في التحدّث عن الحكومات على رأس الحكومات الأخرى. لقد رأينا هذه الممارسة من قِبَل تركيا وإيران وآخرين في المنطقة". وأضاف: "نحن في حاجة الى تطبيع العلاقات من أجل اقامة علاقات بين الدول ومن ثم معرفة كيفية إدارة النزاعات وكيفية البناء على التعاون". جيريمي غرينستوك الذي مثّل بريطانيا كسفير في الأمم المتحدة وكمبعوث الى العراق يرى أن "لا مجال للتحرك في موعد قريب الى البحث في مسألة إنشاء منظمة أمن وتعاون في الشرق الأوسط كتلك التي في أوروبا... فالحياة والنزاعات كما هي بالغة الجروح المفتوحة بما لا يسمح بحدوث ذلك قريباً".
 
روسيا تبدو واثقة من طروحاتها حول إنشاء منظمة للأمن والتعاون في منطقة الخليج تشمل إضافة الى دول الخليج الست وإيران، روسيا والصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والهند وأطراف أخرى كمراقبين - ولذلك توجّهت بها الى مجلس الأمن في جلسة ترأسها وزير الخارجية سيرغي لافروف تسويقاً للفكرة. أثناء الجلسة رفضت السفيرة الأميركية كيللي كرافت الفكرة الروسية وخاطبت لافروف قائلةً: "أقدّر تركيز روسيا اليوم على أمن الخليج. لكن، مع الاحترام، أنا لا أتفق مع الحل الذي اقترحته. فالمجتمع الدولي لا يحتاج الى آلية أخرى لتعزيز أمن الخليج. ولدى مجلس الأمن الأدوات تحت تصرّفه لمحاسبة إيران. وببساطة علينا أن نقرر أن نفعل ذلك".
 
كثير يعتمد على نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية. فإذا استمر دونالد ترامب في الرئاسة، الأرجح أن تنطلق آلية التطبيع بين العرب وإسرائيل لتتوسّع بعضويتها ولكي يقوم نوعٌ من الوزن الأمني الذي تأخذه إيران وتركيا في الحساب. أما إذا فاز جو بايدن بالرئاسة، فسيطرأ تغيير على الأولويات، ولن يكون الأمن الإقليمي في الخليج والشرق الأوسط في الطليعة.
 
الكلمات الدالة