إعلان

تفاصيل الخطر الوشيك الذي يُحدق بفرنسا

المصدر: النهار العربي
باريس- فارس خشان
أكاليل من الزهر أمام كنيسة نوتردام في نيس.أ ف ب
أكاليل من الزهر أمام كنيسة نوتردام في نيس.أ ف ب
A+ A-
تعرّض روبير لوغال، مطران تولوز لحملة سياسية ، بعد إدلائه بمواقف ضد الرسوم الكاريكاتورية التي تُسيء للمقدّسات الإسلامية والمسيحية في فرنسا.
 
لوغال الذي اعتبر أن لحرية التعبير حدوداً ولا يجب استخدامها للسخرية من الأديان، أعلن وقوفه ضد "حق التجديف".
 
 مهاجمو مطران تولوز وصفوا مواقفه بأنّها "خضوع للإرهاب" وبأنّها "بداية الطريق لضرب علمانية فرنسا" وأعلنوا التصدّي لها.
 
الهجوم الذي تعرّض له لوغال لم يكن مصدره أنصار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بل أشد معارضيه يتقدّمهم جان لوك ميلونشون الذي يعتبره كثيرون الشخصية الأكثر دفاعاً عن الإسلام في فرنسا.
 
إنّ مواقف لوغال ضد "حق التجديف" ليست غريبة عن الكنيسة الفرنسية التي قبلت، في وقت سابق، فصل الدين عن الدولة وتأقلمت، مع الزمن، ومبادئ العلمانية.
ولكنّ نوعية مصادر الهجوم على هذا المسؤول الديني الكاثوليكي، تحمل كثيراً من الدلالات على حقيقة الأسس الثقافية التي يقوم عليها المجتمع الفرنسي، إذ إنّ أكثر الفئات السياسية خطباً لود المسلمين، ترفض أيّ مساس بمبادئ فرنسا العلمانية، حيث يتساوى "حق التجديف" مع "حق العبادة".
 
إنّ هذا المشهد الذي حصل في الفترة الفاصلة بين جريمة كاتدرائية نيس وبين جريمة كنيسة ليون، يؤشّر، بوضوح، إلى أنّ السلطة الفرنسية، حتى لو رغبت، هي أعجز من أن تلبّي، في حال أرادت أن تحمي الجمهورية، المطالب التي تدعوها الى التصدّي لـ"حق التجديف".
 
وهذا يعني أنّها محكومة بمواجهة الإرهاب الذي يتهدّدها، بكل الوسائل المشروعة، من أجل المحافظة على بلادها والمبادئ التي تقوم عليها.
 
وهذا يفيد بأنّ محاولة البعض الربط بين "حق التجديف"، من جهة وبين العمليات الإرهابية، من جهة أخرى، لا يجدي نفعاً، ففرنسا محكومة بأن تُواجه، لأنّ المهادنة ليست خياراً متاحاً.
 
بطبيعة الحال، المتضررون من فرنسا بالسياسة، بالتحالف مع المتضررين من فرنسا بالنفوذ، سوف يستغلون هذا المنحى العلماني، في محاولة للإنقضاض عليها، في الداخل والخارج.
 
وهؤلاء، يتقدمهم الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان، يتوسّلون هذه الحقيقة ليلقوا تبعتها، حصراً، على "أهواء" الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
 
ولكن، خلافاً لما يمكن أن يتوهّمه البعض، فإنّ فرنسا في مواجهتها للحرب الإرهابية التي يشنها عليها "الإسلام السياسي" ليست وحيدة، فهناك دول مسلمة مهمة تقف الى جانبها، سواء في الخليج العربي أم في شمال إفريقيا، كما أنّ هناك تجمّعات دينية إسلامية تؤيّد نظرتها الى "الإسلام السياسي" كما هي عليه حال "رابطة العالم الإسلامي"، ومقرّها مكّة المكرمة، التي أصدرت مواقف واضحة، في الأيام القليلة الماضية ضد "الإسلام السياسي"، واصفة إياه بأنّه "إيديولوجية متطرفة لا علاقة لها بقيم الشريعة الإسلامية التي شملت كافة شؤون الحياة بنظرة معتدلة". 
 
مفكّرون عرب يوضحون أنّ دولهم ومرجعياتهم الدينية ليست هي التي "التحقت" بفرنسا، في موضوع "الإسلام السياسي"، بل العكس هو الصحيح، إذ إنّ السلطات الفرنسية وشقيقاتها "الأوروبية" طالما دافعت عن أحزاب "الإسلام السياسي" وتنظيماته، وأمّنت لها الملاذ الآمن والمنابر وحشدت لها في المنظمات الدولية.

-2-
إنّ السلطة الفرنسية تُدرك حتمية المواجهة مع "الإسلام السياسي"، وهي باتت تملك تصوّراً كاملاً عن التحديّات التي ستواجهها كما عن الخطوات التي عليها أن تتّخذها.
 الخطر في ما تكشّف لمجلس الدفاع الذي عقد جلسة له يوم الجمعة الماضي برئاسة ماكرون، أنّ هناك دينامية غير مسبوقة بين الفئات التي يجري توزيع المسلمين عليها.
وتوزّع السلطات الفرنسية المسلمين الى ثلاث فئات، وهي كالآتي: المعتدلون، الأصوليون (حيث يبرز السلفيون وتنظيم الأخوان المسلمين) و"الإسلاميون"(ويُعنى بهم هؤلاء الذين يرتكبون جرائم إرهابية).
 
وفي التقرير الذي درسه مجلس الدفاع الفرنسي تبيّن أن هناك مجموعة من المعتدلين تحوّلت الى أصولية، فيما مجموعة من الأصوليين أصبحت إسلامية.
 
ويذهب التقرير الى التأكيد أنّ ما كان يُخشى منه سابقاً أصبح أخطر بكثير حالياً، إذ إنّ الملاحقة الوقائية كانت تقتصر على أفراد، فيما يجب أن تمتد، من الآن وصاعداً، لتشمل جماعات.
 
ووفق التقرير، فإنّ هذه "الجماعات" وضعت أهدافاً لمهاجمتها: الكنائس، المدارس، السفارات الفرنسية والقنصليات في العالم.
 
وخلص أخطر اجتماع أمني عُقد في السنوات الخمس الأخيرة الى أنّ فرنسا، في داخلها كما في الخارج، أمام خطر كبير.
 
ووفق المعلومات، فإنّ قرارات كثيرة اتُخذت، في هذا الاجتماع، سواء لجهة تشديد الرقابة ومتابعة التمويل وتفعيل أجهزة الإنذار، ورفع الجهوزية الأمنية والعسكرية الى أقصاها، وتفكيك الحملة التي تُغذي مشاعر العداء ولا سيما منها تلك التي تجد مصادرها في الخارج وتحديداً في تركيا.
 
وتندرج مقابلة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون لقناة "الجزيرة" في هذا السياق، على اعتبار أنّ "الجزيرة" هي المنبر المفضّل ل"الإسلام السياسي"، وتالياً، فإنّ بدء تفكيك الخطاب التحريضي على فرنسا، يجب أن ينطلق من التوجّه الى جمهور هذه القناة القطرية.
 
إنّ فرنسا على قناعة بأنّ أجهزة الدعاية الداعمة للـ"إسلام السياسي" تُشكّل، من خلال تشويه مواقف فرنسا ورئيسها، خطراً كبيراً على أمن فرنسا، وتالياً، وفي ظل القوانين الفرنسية المرعية الإجراء، فإنّ الحل الوحيد المتاح لفرنسا، هو أن تحاور المتأثّرين بهذه الأجهزة.
 
لا تتطلّع باريس إلى إقناع "الإسلاميين"، أي أولئك الذين قرّروا التحرّك إرهابياً، بل همّها يُركّز تحديداً على إفهام المعتدلين أنّ جذبهم الى الراديكالية مبني على أضاليل دعائية وليس على عداوة فرنسية للمسلمين، وتالياً فهي تريد احتواء الدينامية الخطرة التي برزت، في الآونة الأخيرة.
 
-3-
من الواضح أنّ فرنسا تواجه مخاطر كثيرة، في المدى القريب، ولكن من الواضح، أيضاً، أنّها تملك أدوات المواجهة.
وتحرص الحكومة الفرنسية على أن تكون أدوات المواجهة التي تعتمدها "حكيمة"، بحيث لا توحي بأي "خلط" بين المسلمين من جهة وبين الإسلاميين، من جهة أخرى.
 
وفي اعتقاد كثيرين إنّ "الإسلاميين" يرغبون بهذا "المزج"، لا بل يصطنعونه، من أجل توسيع قاعدتهم، لتحويل المواجهة ضدهم الى مواجهة ضد عموم المسلمين، ممّا يتيح لهم قيادتهم.
 
ولديهم، في هذا التوجّه، حلفاء موضوعيون ينتمون الى اليمين الراديكالي الذي يشنّ هجومات على الرئيس ماكرون، بسبب "ميوعته" في التعامل مع الإسلام، إعتقادا من هؤلاء أنّ التمييز بين المسلمين والإسلاميين هو تمييز وهمي.
 
صحيح أنّ العمليات الإرهابية التي تتّخذ أشكالاً مرعبة، كقطع الرقاب، تُضعف قواعد عمل الإدارة الفرنسية، ولكن الصحيح أكثر أنّ الغالبية الفرنسية لا تزال تؤيّد الفصل في التعاطي بين المسلمين والإسلاميين.
 
إنّ تقوية نهج الإدارة الفرنسية، لهذه الجهة، تحتاج الى جهود كبيرة، كما الى دعم المسلمين في الخارج.
وفي حال تلقت هذا الدعم الذي تنشط دبلوماسيتها من أجل توفيره، فإنّ معاناة المدى القريب، وهي معاناة يبدو من الصعب جداً التخلّص منها، سيُنتج انفراجات حقيقية في المديين المتوسط والبعيد.











 
الكلمات الدالة