إعلان

تونس... الإشادة بالدّيموقراطية وحدها لا تكفي

المصدر: النهار العربي
أسعد عبود
الرئيس التونسي قيس سعيد
الرئيس التونسي قيس سعيد
A+ A-
 
 تراكمت على تونس الأزمات. شلل سياسي بفعل التناحر بين رئيس الجمهورية قيس سعيّد من جهة، ورئيس الوزراء هشام المشيشي مدعوماً من رئيس البرلمان راشد الغنوشي. وانهيار في النظام الصحي بفعل التفشي الواسع لوباء كورونا، ما جعل تونس بين الدول التي سجلت أعلى الأرقام من الوفيات بالنسبة إلى عدد السكان. وأزمة اقتصادية متمادية زادت في ظل القيود التي فرضتها السلطات لمواجهة كوفيد-19.

في الإعلام الغربي يصورون تونس على أنها قصة نجاح لـ"الربيع العربي"، على اعتبار أن التونسيين استطاعوا إقامة نظام ديموقراطي بعد خلع نظام زين العابدين بن علي، وتجنّبوا نشوب حرب أهلية كتلك التي شهدتها ليبيا وسوريا واليمن.     

إلا أنه بعد عقد على الديموقراطية، لم تشهد البلاد استقراراً سياسياً، والحكومات المتعددة التي تعاقبت على السلطة اعتمدت بالكامل على دعم صندوق النقد من دون خطة اقتصادية داخلية تدعم التحول الى الديموقراطية. 
والغرب الذي كان يسخو بالثناء على الديموقراطية التونسية، لم يفعل الكثير لترسيخها. وزادت مديونية البلاد لتبلغ نحو 98 في المئة من إجمالي الناتج القومي. كما حلّقت أرقام البطالة وتالياً تصاعد الإحباط واليأس لدى الشباب الذين ضاقت أمامهم سبل العيش، وركب الكثيرون منهم "قوارب الموت" متجهين إلى الضفة الأخرى من المتوسط بحثاً عن حياة كريمة.   

وإذا ما جرت مقارنة بين تونس ودول أوروبا الشرقية التي تحولت إلى الديموقراطية في الثمانينات من القرن الماضي، فهل كان لهذه الديموقراطيات الناشئة أن تترسخ هناك لولا مسارعة الاتحاد الأوروبي إلى الاحتضان الاقتصادي لتلك التحولات؟ 

تحصل الانهيارات في تونس، والطبقة السياسية التي تولّت الزمام بعد إسقاط النظام القديم، متلهية في صراعاتها وكأنها تملك ترف تبادل الاتهامات بالمسؤولية عن الكوارث التي تتوالى على البلاد.   

وفي الأشهر الأخيرة، ضرب الشلل مؤسسات الحكم بسبب الصراعات بين سعيّد والمشيشي، علماً أن الأخير عيّنه الرئيس بعد الانتخابات العام الماضي، والتي لم تسفر عن فائز واضح، بينما تقدمت "حركة النهضة" برئاسة الغنوشي بقية الأحزاب بحصولها على ربع مقاعد البرلمان، من دون أن تكون لديها القدرة على الحكم بمفردها.  
  
والنتائج غير الحاسمة للانتخابات كانت فرصة لتصعيد المناكفات السياسية، فيما كان الأولى بالقيادات السياسية أن تهرع لإنقاذ الناس من كورونا الذي حصد أرواح أكثر من 18 ألف تونسي.    

وبلغ الاهتراء السياسي درجة لم تكن الحكومة قادرة معها على إدارة المساعدات التي سارعت دول عربية وأوروبية إلى تقديمها لتونس في مواجهة الوباء.
   
عند هذا الحد بدأ التململ في الشارع، حتى كانت تظاهرات الأسبوع الماضي والتي استند إليها الرئيس كي يقيل الحكومة ويجمّد أعمال البرلمان ويقيل كبار الموظفين في الكثير من الإدارات. وهي خطوة أثارت المخاوف من أن يكون ذلك مقدمة لتقويض الديموقراطية الوليدة. لكن سعيّد الأستاذ في القانون الدستوري لا بد أنه يعي أبعاد الخطوات التي يقدم عليها، ولن يقبل على الأرجح أن يُقال عنه إنه يقود ثورة مضادة لثورة 2011، بل هو يبادر إلى وضع حد للفوضى المتمادية التي تمضي البلاد في اتجاهها، والتي ليست من مصلحة أي من القوى التونسية.   
بقاء الوضع على ما هو عليه كان سيمعن في توسيع حجم الكارثة على التونسيين، بينما إجراءات سعيّد، على رغم أن لها ما يبررها في الدستور، أثارت الخوف من عودة تونس إلى حكم الاستبداد.   

يمكن سعيّد أن يبدد الكثير من المخاوف إن هو سارع إلى وضع تونس على المسار الصحيح، وإذا ما لمس التونسيون تغييراً في أداء الطبقة السياسية برمّتها.   

 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم