إعلان

بداية محبطة للبرلمان اللبناني الجديد... العرف ينتصر على الدّستور

المصدر: النهار العربي
راغب جابر
راغب جابر
نبيه بري رئيسا للبرلمان اللبناني للمرة السابعة
نبيه بري رئيسا للبرلمان اللبناني للمرة السابعة
A+ A-
أكدت جلسة المجلس النيابي اللبناني المنتخب حديثاً لانتخاب رئيس للمجلس ونائبه وهيئة مكتب المجلس المؤكد. لا أمل يرتجى من هذه التركيبة السياسية، بمؤسساتها وأنظمتها وأشخاصها، جماعات وفرادى.
 
عدا الانقسام السياسي الحاد في البلاد بين معسكرين، واحد يعتبر نفسه ممانعاً ويخوض حرباً ضد المحور الأميركي - الإسرائيلي وبعض العرب، وآخر يعتبر نفسه سيادياً واستقلالياً ويحارب ما يسميه الاحتلال الإيراني للبنان بواسطة "حزب الله"، أظهرت الجلسة النيابية التي تابعها اللبنانيون عبر شاشات التلفزيون حجم الكارثة التمثيلية للشعب اللبناني في مجلس التشريع وأبي السلطات. لقد سقط المجلس الجديد في جلسته الأولى سقوطاً مريعاً في امتحان الجدارة والثقة، ولا مبالغة، في امتحان الوطنية الحقيقية.
 
لم يكن مفاجئاً انتخاب الرئيس نبيه بري رئيساً للمرة السابعة على التوالي منذ ثلاثين عاماً، فالسياسي العتيق والمحنك الذي لا منافس له في الطائفة الشيعية التي يحتكر تمثيلها بالكامل مع حليفه "حزب الله"، معلنٌ رئيساً منذ إعلان نتائج الانتخابات، رغم ضجيج سمير جعجع وجبهة السياديين والتغييريين الذين لم يستوعبوا بعد "صدمة" الفوز بمقاعدهم التي جلسوا عليها للمرة الأولى، بعدما ظن الجميع أن سقوط بعض الرموز التقليدية والتاريخية كان من المحال. ولم يكن مفاجئاً كثيراً أيضاً انتخاب الياس بو صعب نائباً للرئيس، فتسوية الكواليس التي أمّنت لبري الفوز من الدورة الأولى، ولو بالأكثرية المطلقة، وبانخفاض كبير عن عدد الأصوات التي كان ينالها في الدورات السابقة، هي نفسها كانت قد أمّنت الفوز لبو صعب وبالأصوات نفسها. 
 
لكن الجلسة التي ستبقى "خالدة" في أرشيف البرلمان وذاكرة اللبنانيين عرّت المجلس الجديد تماماً. مجلس التشريع هذا خال من المشرّعين. مجلس بلا دستوريين حقيقيين، مناقشات عبثية ومداخلات على طريقة من كل واد عصا، واقتراحات غير مبنية لا على خبرة ولا على معرفة، أدت إلى شبه ضياع في انتخاب أميني سر لهيئة المجلس بعد جدال عقيم حسمه بري الذي استخدم سلطته رئيساً للمجلس لفرض آلية التصويت كما رأى أن النظام ينص عليها.
كل هذا "كوم" كما يقال والكلام الطائفي الذي استمع إليه اللبنانيون، لا سيما الحالمين بالتغيير، "كوم" آخر.
 
البرلمان الذي هو أبو التشريع والقانون دخل في منزلق خطير عندما قرر اعتماد العرف لا الدستور والنظام الداخلي في انتخاب أميني السر. نطق أحدهم من مقاعد النواب صارخاً بأن العرف هو أن نائبي السر أحدهما ماروني والآخر درزي، تمت مباركة الاقتراح رغم اعتراض أحد النواب التغييريين الذي تم إسكاته بحجة أنه هو أيضاً انتُخب على أساس انتمائه المذهبي. وهكذا وُئدت المحاولة الأولى للخروج من المحاصصة المذهبية في المجلس في مهدها. بعد إقرار العرف الطائفي والمذهبي على حساب النص صار كل شيء أشبه بالمهزلة.
 
انتُخب الماروني ألان عون أميناً للسر بعد منافسة ثلاثية، بأصوات الحلف "المقدس" نفسه الذي انتَخب بري وبو صعب، بعدما كان المرشح التغييري ميشال الدويهي قد انسحب احتجاجاً مع زميله الدرزي فراس حمدان لتخلو الساحة أيضاً للمرشح الدرزي هادي أبو الحسن ويفوز بالتزكية ويحفظ العُرف. الأمر نفسه حصل في انتخاب المفوضين الثلاثة الذين يقضي العرف أيضاً بأن يكونوا من الطوائف الأقلوية، فالطوائف الصغيرة يجب ألا تأخذ حصصاً كما الطوائف الكبيرة، كما يقضي العرف الذي يتمسك به رئيس "تكتل لبنان القوي" جبران باسيل. 
 
لم يطق النائب عن "حزب الله" علي عمار كل الجدال الذي حصل في الجلسة، خصوصا مداخلات النواب الجدد حول كيفية التصويت والعرف، فطلب الكلام ليعبر عن فجيعته" بما جرى. 
 
جلسة مجلس النواب التي كانت أشبه بمسرحية من "الكوميديا السوداء"، كشفت الحقيقة التي كانت معروفة لسنين طويلة: عقم السياسة اللبنانية وعقم النظام الانتخابي عن إنتاج سلطة جديدة بعقل جديد. لكن الأخطر أنها أهمدت جذوة الأمل التي انبثقت من نتائج الانتخابات وأوحت بتغيير ما.
 
لا تغيير، الصورة باتت واضحة الحكم للسنوات المقبلة. تحالف الضرورة الذي يرعاه "حزب الله" ويضمه إلى حركة "أمل" و"التيار الوطني الحر" وبعض المستقلين، سيكون أكثر تماسكاً، وبالتالي تحكماً بالمسارات الحكومية والرئاسية المقبلة، مقابل مجموعات متفرقة متنافرة في الجهة المقابلة، ربما تتوحد خلف الشعارات أكثر من توحدها في كيان سياسي أو في جبهة.
 
كان العرف سابقاً يقضي بأن تتقاسم القوى السياسية مناصب هيئة المكتب بالتوافق خارج المجلس، في إطار بدعة الديموقراطية التوافقية التحاصصية المدمّرة، ولذا لم يتعود المجلس على انتخاب هيئة مكتبه، وبحكم التعود على العرف لم يتعوّد على الانتخاب، فجاءت الجلسة بمثابة حكم "عرفي" على الأمل.
 
بلد تحكمه الأعراف لا النصوص الدستورية والقانونية ليس بلداً، هو مجموعة قبائل، كل قبيلة هي طائفة وكل طائفة تحسب نفسها أمة.  
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم