إعلان

هل تصحو المحكمة الدستورية في تونس من سباتها؟

المصدر: النهار العربي
أسامة رمضاني  
أسامة رمضاني  
مقر المحكمة الدستورية في تونس
مقر المحكمة الدستورية في تونس
A+ A-
بعد سنوات من المناورة والتعطيل تتجه تونس نحو إنشاء محكمة دستورية يأمل الكثيرون من أن تشكل طريقاً لتفكيك الخلافات السياسية وجَسر الانقسامات المجتمعية لا إلى زيادة تعقيدها.
 
وفي غياب المحكمة الدستورية المستمر حتى الآن، كادت محطات سياسية عديدة أن تُدخل البلاد في أزمات لا مخرج منها وذلك في غياب الطرف المؤهل دستورياً لكي يحل محل المحكمة في المهمات التي أوكلها لها الدستور، ومن بينها الحسم في دستورية القوانين والمعاهدات وإبداء الرأي في مشاريع القوانين الدستورية وإعلان الشغور على رأس السلطة. كما تشكل المحكمة مرجعية أساسية عند السعي لتنقيح الدستور أو تنحية رئيس الدولة من مهماته.
 
والمحكمة، طبقاً للنص الدستوري، "مؤتمنة على فرض احترام الدستور وعلى ضمان مقومات النظام الديموقراطي والجمهوري" وهي بالتالي من أهم المؤسسات الدستورية الضامنة للانتقال الديموقراطي إن لم تكن أهمها.
 
ومن أبرز المحطات التي افتقدت فيها تونس المحكمة الدستورية كانت وفاة الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي عام 2019 وما تلاها من إجراءات متعلقة بإعلان الشغور في أعلى هرم السلطة. وقد تولّى هذه الإجراءات بجانب كبير من الحنكة القائم بأعمال رئيس الجمهورية آنذاك محمد الناصر.
 
الكثير من المحطات المقبلة مهيأة كي تواجه منعرجات وعرة بسبب التوتر السائد بين الكثير من الأطراف السياسية وغياب الحوار الحقيقي أو التوافق بين مكونات السلطة والطبقة السياسية عموماً. قد تتحول تلك المحطات إلى أزمات على شاكلة الأزمة الحالية القائمة بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة في تونس، وهي أزمة منعت إلى الآن 11 وزيراً معيناً من تأدية اليمين الدستورية أمام رئيس الدولة وبالتالي من إمكان تولّي مهماتهم رغم حاجة البلاد لخدماتهم في الظرف الصعب الذي تمر به على مستويات عدة.
 
وقد خلق هذا الوضع انطباعاً في الداخل والخارج بوجود انسداد سياسي يزيد في استفحال الأزمة الاقتصادية ويعمق جروحها.
 
وفي هذه المرحلة الدقيقة التي تستعد فيها الحكومة للتفاوض مع المؤسسات المالية الدولية حول شروط الحصول على الدعم الذي تحتاجه للتصدي للعجز الكبير في موازنتها، تواجه تونس تحدياً إضافياً يزيد في هشاشة موقع السلطات ويتمثل في انشغال الأطراف الأجنبية الفاعلة تجاه المخاطر التي قد تهدد استقرار تونس ومسارها الديموقراطي نتيجة عدم قدرة الطبقة السياسية (وأحياناً عدم رغبتها أيضاً) على تجاوز خلافاتها. وفي هذا الإطار، قد يكون الاتفاق الأخير على استئناف مسار إرساء أسس المحكمة الدستورية إشارة ايجابية نادرة الحدوث في اتجاه طمأنة العالم الخارجي والمجتمع الدولي.
 
غير أن التقدم نحو تأسيس المحكمة قد لا يهدّئ الأجواء السياسية على المدى القريب. إذ إن الاتفاق على المحكمة لن يحل الأزمة الحكومية وقد لا ينهيها حتى بعد ما يتم تركيز المحكمة الدستورية ذاتها.
 
فالمحكمة الدستورية التي هي مؤهلة للحسم في "حالة تنازع الصلاحيات بين كل من رئيسي الجمهورية والحكومة" ليست مؤهلة للبت في ممارسة السلطة ذاتها من قبل الرئيسين حتى وإن كانت نتيجة النزاع بينهما تعطيل أعمال الدولة. وبالتالي فإن المحكمة قد لا تكون قادرة على فك الاشتباك السياسي بين الرئيسين حول أداء اليمين الدستورية باعتبار أنه لا خلاف حول كون ذلك من ضمن صلاحيات رئيس الجمهورية. ولذا فإن حل الأزمة بين رأسي السلطة التنفيذية سوف يحتاج مبادرات سياسية تُبنى على تنازل أحد الطرفين أو كليهما. ولا أحد يستطيع أن يتنبأ متى تنتهي المبارزة بينها.
 
أما على المدى المتوسط، فإن الجدل قد يتواصل ويحتدم لأشهر عدة مقبلة حول المحكمة الدستورية. وهنا أيضاً ليس هناك موعد محدد لنهاية هذا المسار، بخاصة أن الطبقة السياسية التونسية أظهرت حتى الآن أن مفهومها للآجال الزمنية مطاط جداً ولا حدود له. لذا فإن مسار تشكيل هيئة المحكمة قد يطول إلى الخريف المقبل وذلك إلى حين استنفاد المسارات كلها، فالفصل 18 من الدستور ينص على أن رؤساء الجمهورية ومجلس نواب الشعب والمجلس الأعلى للقضاء يعين كل واحد منهم أربعة أعضاء في المحكمة.
 
ويشكل انعدام الثقة بين الأطراف السياسية عاملاً مساعدأ في توتر الأجواء، إذ تتواتر شكوك عدد من الأطراف السياسية بخصوص المبتغى من تنشيط مسار تشكيل المحكمة الدستورية في هذا الوقت بالذات وبعد غيبوبة مفتعلة دامت سنوات نتيجة حسابات سياسية قصيرة النظر.
 
وقد ارتفع منسوب الريبة عوض أن ينخفض بعد أن نقح البرلمان في الفترة الأخيرة القانون المنظم لاختيار أعضاء المحكمة الدستورية في شكل ييسر نظرياً من شروط انتخابهم، إذ يخفض في سقف الأغلبية المطلوبة للموافقة على الترشيحات لعضوية المحكمة من ثلثي أعضاء مجلس نواب الشعب إلى الثلاثة أخماس (في حالة الفشل في تحقيق أغلبية الثلثين في دورة أولى). كما ألغت التنقيحات شرط ترشيح أعضاء المحكمة من قبل الكتل الحزبية في البرلمان وأصبح من الممكن الترشح في شكل مستقل عن الأحزاب. ويُشار إلى أن البرلمان نجح إلى الآن في انتخاب قاضية وحيدة في آذار (مارس) 2018 من مجموع 12 عضواً في المحكمة.
 
ومن أبرز الاعتبارات التي تجعل الاتفاق على التسريع بتأسيس المحكمة عنصر توتر إضافي وليس من عوامل التهدئة، اعتقاد بعض الأطراف السياسية (بخاصة من بين اليسار والدستوريين) أن الهدف من إنشاء المحكمة هو السعي لإعفاء رئيس الجمهورية من مهماته (وذلك على خلفية المواجهة السياسية المتواصلة بين قيس سعيد والأحزاب المساندة لرئيس الحكومة بما فيها الإسلاميون)، إضافة إلى التوجس القديم - الجديد من الرغبة في ملء مقاعد المحكمة بـ"المتطرفين".
 
كل هذه التخمينات والاتهامات تنبئ بتواصل التشنج في النقاش السياسي بخاصة في رحاب مجلس نواب الشعب الذي أصبح في ظل مشاحناته، بحسب تعبير النائب الثاني لرئيس مجلس نواب الشعب طارق الفتيتي، مسرحاً "لفرجة شبيهة بتلك التي نشهدها على مدرجات ملاعب كرة القدم".
 
وحتى خارج البرلمان لن يمكن للمحكمة الدستورية لوحدها أن تنهي أجواء الشحن والاستقطاب والشعبوية السائدة وأن ترسخ مفهوماً عقلانياً وديموقراطياً لفض النزاعات، لكنها يمكن أن تساهم تدريجياً في خلق ثقافة الاحتكام لهيئة قضائية عليا والقبول بأحكامها خلال النزاعات بين الفرقاء السياسيين والاجتماعيين المتواجهين في حرب بلا هوادة، ليس فقط من أجل السلطة والتأثير وإنما أيضاً حول النموذج المجتمعي والهوية وعلاقتهما بالحريات الفردية وحدودها. وسوف يدور الكثير من هذه المعارك على ساحات النزاع حول دستورية القوانين والقرارات التنفيذية والقضائية.
 
إلا أن دور المحكمة لن يكون ناجعاً إلا إذا كان أعضاؤها موضع ثقة وتنزيه من الاصطفاف خلف الأحزاب ومراكز النفوذ بأشكالها.
 
وسوف يكون إرساء محكمة دستورية ذات صدقية أكبر، عاملاً محدداً لمصير تجربة الانتقال الديموقراطي وأقوى حافز للسياسيين كي ينكبوا على البناء والإصلاح عوض التنازع على المواقع والسلطات.
 
الشرط الأساسي هو أن تخرج العضوية في المحكمة من قائمة المغانم التي تسعى الأحزاب والأطراف السياسية لكسبها وتوظيفها لصالحها على حساب البلاد واستقرارها.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم