إعلان

نهاية السياسة... والأفق الديموقراطي الممكن في المنطقة المغاربية

المصدر: النهار العربي
عادل بن حمزة
عادل بن حمزة
الديمقراطية المغاربية الممكنة
الديمقراطية المغاربية الممكنة
A+ A-
 قد لا تكون السياسة مما يمكن أن يشمله منطق "النهايات"، فلا يمكن تصور قيام الدولة من دون سياسة بأبعادها المختلفة، ربما نحن في المنطقة المغاربية على الأرجح، في مرحلة مخاض يسبق قيام ممارسة سياسية جديدة على أسس مختلفة، لكن السؤال هو ما كلفة هذا المخاض؟

منذ سنوات يتراجع اهتمام الناس بالانخراط في نوع من السياسة ترسم سقفه وأفقه مكوّنات النسق السياسي في المنطقة، سواء تعلق الأمر بالأنظمة السياسية أم بباقي مكوّنات النسق، وذلك لأن ذلك الأفق في الغالب يخالف تماماً انتظارات الشعوب، بل يعتبره البعض خيانة لها ولا يأخذ في الاعتبار حجم التحولات التي عرفتها مختلف الطبقات الاجتماعية، وبخاصة الطبقة الوسطى التي تعتبر عملياً حجر الزاوية في أي ديموقراطية، إذ الملاحظ أن هذه الطبقة عرفت تفككاً كبيراً، بل تغيرت هويتها جذرياً بفعل تأثير التحولات البنيوية على المستوى الاقتصادي الذي يتسم بقدر كبير من الانفتاح على المستوى الدولي.

هذا الانفتاح كان الهدف من ورائه تجديد مشروعية الأنظمة، واكتساب زبائن جدد، لكنه تحول مع مرور الزمن معول هدم، ذلك أن الانفتاح يحمل قيماً جديدة مختلفة تماماً عن القيم التي كانت سائدة في الماضي، إضافة إلى ذلك، فخضوع معظم دول المنطقة لتوجيهات المؤسسات المالية الدولية في ما يتعلق بتفكيك القطاع العام وإنهاء دور الدولة المتدخلة وتراجع الحد الأدنى من الدولة الراعية، بدأت آثاره تظهر اليوم بوضوح من خلال فك الارتباط الجاري مع الدولة من خلال فئات اجتماعية كثيرة أضحت تفضّل البحث عن الحلول الفردية، بما فيها الهجرة إلى الخارج. فما قامت به الدولة في المنطقة، انطلاقاً من الخصخصة ووصولاً إلى الانفتاح الكلي على الاقتصاد العالمي المعولم، من دون رؤية فكرية ولا استعداد حقيقي، كان من الطبيعي أن تكون له نتائج وتبعات. وأهم تلك النتائج وأخطرها  ضعف الرأسمال الاجتماعي وما يشكله ذلك من مخاطر على اللحمة الوطنية، بخاصة في دول ضمن مجالات تنافس واستقطاب دولي حاد.

إن ما يسميه البعض "موت السياسة" هو في الواقع تعبير مجازي ليس أكثر من حالة انفصال جارية بين الدولة والمجتمع، وهي نتيجة طبيعية كرد فعل على دولة قدمت استقالتها من الشأن الاجتماعي والاقتصادي، إذ يجب ألا نغفل أن تعامل الناس مع السياسة والانتخابات والشأن العام مؤطر بنوع من العقلانية التي تسعى إلى تحقيق مكاسب، وحيث يفتقد الناس النتائج، فإنهم بصورة طبيعية يحجمون عن هذا النوع من السياسة، لكن الناس يواصلون التعبير عن مواقفهم ومطالبهم، سواء جماعياً أم فردياً، وما ينشر بالملايين على وسائل التواصل الاجتماعي وما يتّسم به من حس نقدي عال، لخير دليل على أن السياسة ما زالت على قيد الحياة لكنها بحاجة إلى دولة جديدة...


هل نحن فعلاً في أزمة؟ أم أننا بصدد الخروج منها؟ هل الأزمة ترتبط بالسياسة والسياسيين وحساباتهم المختلفة؟ أم أن الأمر يتعلق في العمق بأزمة الديموقراطية كاختيار وكمفهوم، بما هي أزمة الإرادة السياسية في تحقيق ديموقراطية كما تكرّست في التجربة التاريخية لدى عدد من شعوب هذا الكوكب..

المسألة اليوم لا تتعلق بأحزاب أو حكومات أو أشخاص... بل تتعلق بالخيار الديموقراطي وبأن ليس هناك بديل منه، إذ هو الوحيد الذي يمكن أن يقود بلدان المنطقة - بغير كثير من الخوف - إلى مستقبل أكثر أمناً ومجتمعات أكثر تماسكاً، أما خلاف ذلك فلا يعني سوى قيادة المنطقة ككل نحو المجهول، وتكريس النّفور من السياسة وتراجع الرهان الواعي على المؤسسات والتدافع داخلها، وفقاً لقواعد لعب واضحة تمنح  الحقوق نفسها للجميع، وفي الوقت نفسه تقيم عليهم الجزاءات التي يستحقونها من دون مجاملات أو تمييز.

هناك انتظارات كثيرة في منطقتنا على مستوى ما هو أساسي في التعليم والصحة والقضاء والعدالة المجالية والأمن، وهذه الانتظارات ما زال لدى حامليها الأمل بأن تصادف طريق الحل والإنصاف، وهي واعية بقيمة الاستقرار وأهميته ولا تقايض بذلك أبداً، لكن يبدو أن البعض يعتقد أن هذا الوضع يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، وأن المسّ بالمسار الديموقراطي والتوافقات، لا يدخل في اهتمامات شعوب المنطقة. هذا الفهم يوضح أن جهات لم تفهم بعد طبيعة التحوّلات التي عرفتها بلادننا، وأن مقاطعة الانتخابات، حتى في تونس والمغرب، هي مجرد رسالة واضحة غير مشفرة، يصبح العناد في عدم فهمها أو معاكستها من أهم المخاطر التي تواجه المنطقة.

السياسيون قد يصيبون وقد يخطئون في مجال سياسي مفتوح للمنافسة العادلة، لكن التدخل المباشر أو غير المباشر، لا يأتي سوى بعواقب وخيمة تكرّس أزمة الديموقراطية في المنطقة، وهو ما يشكل خطراً حقيقياً على الاستقرار.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم