إعلان

جزائريون يتحدّون القانون والبحر... إلى أوروبا على خشبة

المصدر: النهار العربي
الجزائر-إيمان عويمر
مهاجرون غير شرعيين
مهاجرون غير شرعيين
A+ A-
فيما تتخوّف دول كثيرة من انتشار الموجة الثانية لفيروس "كورونا"، يسعى عشرات المهاجرين ‏الجزائريين حثيثاً للوصول سراً إلى الضفة الأخرى من المتوسط، من طريق الاستنجاد بقوارب ‏خشبية، بات يركبها حتى النساء والرُضع، في مشاهد خلّفت موجة من الاستياء والحزن في ‏الشارع الجزائري. ووسط هذا الوضع الدراماتيكي، يحتدمُ النقاش في الخطط البديلة التي تعتزم ‏الحكومة وضعها للحد من هجرة مواطنيها‎.‎
 
منذ حلول شهر أيلول (سبتمبر) المنصرم، سجّلت الجزائر ارتفاعاً في أعداد المهاجرين ‏غير النظاميين أو ما يُصطلح على تسميتهم شعبياً بـ "الحرقة"، وثّقته مقاطع الفيديو المتداولة على ‏منصات مواقع التواصل الإجتماعي، التي تُظهر شباباً وهم يُودّعون أحباءهم  بكلمات من مَثيل ‏‏"أبقاو على خير" (أي مع السلامة) و "اسمحيلي يما" (أعذريني أمي)، في دليل قاطع على أنهم ‏غادروا أرض الوطن من دون إعلام عائلاتهم‎.‎
 
الأرقام تتصاعد
 
توثّق هذا الكلام، إحصائيات رسمية تنشرها وزارة الدفاع الجزائرية في الآونة الأخيرة، منها ‏معلومات عن انتشال حرس السواحل الجزائري ثلاث جثث واعتراض 755 مهاجراً على متن قوارب قبالة السواحل الجزائرية في الفترة بين 20 و 25 أيلول (سبتمبر).‎ وقلبها أشارت أرقام رسمية إلى غرق 10 أشخاص واعتراض 485 مهاجراً بين 15 و 19 أيلول (سبتمبر). ‏وبطريقة حسابية، فإنه جرى اعتراض 1200 مهاجر غير نظامي خلال 10 أيام‎.‎
 
 وكان الشارع الجزائري عاش نهاية شهر تموز (يوليو) الفائت على وقع صدمة تدفق عشرات ‏القوارب إلى السواحل الإسبانية، وعلى متنها أكثر من 800 جزائري ما دفع صحيفة إسبانية حينها الى كتابة عنوان "ماذا يحدث في الجزائر"؟‎.‎
 
‎ ‎
ووفق أحدث أرقام الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل (فرونتكس)، وصل 5225 ‏جزائرياً عبر طريق غرب المتوسط و865 عبر شرق المتوسط خلال الأشهر الثمانية الأولى من ‏‏2020‏.
 
من 3 إلى 5 آلاف يورو للرحلة
 
وتفيد شهادات لبعض الشباب استقتها "النهار العربي"، أنّ "الحراقة" يدفعون ‏ما بين 3 آلاف و 5 آلاف دولار، لنقلهم عبر زوارق سريعة يمكنها بلوغ السواحل الإسبانية في ‏بضع ساعات، لكن الرحلة قد تكُون محفوفة بالمخاطر، وفي مرات عديدة تحصل الخديعة في ‏عرض البحر، إذ تتم التضحية ببعض الشباب حتى يكّمل القارب مساره، بعدما يقلع بأعداد تفوق ‏سعة حمولته‎.‎
 
ويقول أحد المواطنين الذين فشلوا في الحرقة الى "النهار العربي"، إنّ "وضعه الإجتماعي الصعب، ‏في ظل تعذر حصوله  على عمل ثابت يضمن له تأسيس عائلة، هو وراء رغبته الكبيرة في ‏الهجرة سراً من طريق البحر‎".
 
ولا ييأس الشاب الثلاثيني من إمكان المغادرة: "أجلس دائماً أمام ساحل مدينتي شرشال (90 كلم غرب مدينة الجزائر)، ‏أتحدث مع نفسي وأقول متى سأصل إلى الضفة الأخرى بعدما فشلتُ مرتين. ‏أصدقاء لي وصلوا وهم يعملون بشكل عادي، فلماذا أبقى هنا؟"‎.‎
 
ويؤكد مختصون اجتماعيون أنّ بعض المهاجرين غير الشرعيين يقدّمون صوراً ‏مزيفة وغير واقعية عن حياتهم في دول أوروبا، وأن ما يتم نشره عن حياة الرغد والرفاهية ‏يشجّع أشخاصاً آخرين على المغامرة بحياتهم بينما لا يمكن الحصول على تلك الحياة في ظرف ‏وجيز جداً‎.‎
 
وعادة ما يشتغل "الحراقة" من الدول المغاربية، في المزارع والحقول، حيث يتم الاعتماد عليهم ‏في جني المحاصيل، في ظل عزوف اليد العاملة الأوروبية عن العمل في المجال الزراعي‎.‎
 
مرحلة انتقالية ... تعارض الرغبات
 
في تحليل لظاهرة الهجرة غير الشرعية يقول البروفسور عبداللطيف بوروبي، الأستاذ في كلية العلوم السياسية في جامعة ‏قسنطينة شرق الجزائر، إنّ ظاهرة الهجرة غير الشرعية، مرتبطة في إحدى مقارباتها بـ"التنشئة ‏الاجتماعية والقرب الجغرافي لشعوب المغرب العربي من القارة الأوروبية، إذ تشكّلت صورة ‏نمطية وترسخت في الأذهان بأن الأحسن موجود في الضفة الأخرى من البحر الأبيض ‏المتوسط".
 
ويوضح الى "النهار العربي"، أنّه "يمكن تفسير تفاقم الظاهرة في الآونة الأخيرة إلى ‏الشعور باليأس والإحباط لدى الشباب المرتبط بالواقع المعاش، إذ تعرف الجزائر مرحلة انتقالية ‏وإصلاحات وأعتقد أنّها انعكست على رغبات الشباب".‎
 
 
وشهدت الجزائر حراكاً شعبياً عارماً في شباط (فبراير) 2019، شارك أكثر من 20 مليون ‏جزائري (نصف سكان البلاد) في مسيراته، مطالبين برحيل نظام الرئيس السابق عبدالعزيز ‏بوتفليقة ما أعاد إليهم الأمل في إحداث تغيير سياسي واجتماعي حقيقي في البلاد‎.‎
 
وفي هذا السياق يرى بوروبي أنّ "أي مرحلة انتقالية، يظهر فيها نوع من ‏الاختلالات والفساد ورفض التغيير، سواء من طرف الأفراد أم المؤسسات، وبالتالي فإن الشباب ‏يعتقدون أن الهجرة هي الحل الصائب، وهو ما ينطبق على الحالة الجزائرية التي انعكس فيها ‏الشق السياسي على نفسية الأفراد"‎.‎
 
لكن بوروبي يلاحظ أن "الشباب يبحث عن التغيير السريع، ‏بينما تتطلب الإصلاحات في كل المجالات، الوقت الكافي، وهو ما يؤدي إلى حصول تعارض ‏بين رغبتين، رغبة في إصلاحات تتطلب الوقت ورغبة في أن تكون الاصلاحات سريعة‎."‎
 
ويضيف: "نأمل بأن تكون هناك جزائر جديدة، يجد فيها الشباب مكانتهم ‏الحقيقية لأن الدول الأوروبية لا تنظر إلى شعوب المغرب العربي كشركاء أو حلفاء وإنما كمصدر ‏تهديد، لأنها تدرك أنهم يمثلون قوة‎."‎
 
ويمثل الشباب الجزائري قرابة 70 في المئة من التعداد الإجمالي للسكان، البالغ نحو 44 مليون ‏نسمة، إلا أن نسبة البطالة المسجلة في أوساطهم تقترب من العشرين في المئة‎.‎
 
الى ذلك، يرجع الخبير الدولي في قضايا الهجرة ومنطقة الساحل حسان قاسيمي، ‏ارتفاع معدل الهجرة غير النظامية إلى الركود الاقتصادي وانتشار البطالة بين الشباب والتوقعات القاتمة لمستقبل الاقتصاد، لا سيما بعد ظهور وباء كورونا في العالم‎.‎
 
ويؤكد الى "النهار العربي" أن "الملاحظ هو عودة شبكات المهربين للنشاط على ‏مستوى غرب الجزائر، مستغلة انشغال الحكومة بالظرف الصحي"، ويشير إلى أن "الحد من ‏ظاهرة الحرقة، هو تحدٍ جديد للسلطات العمومية، لا سيما في ظل تفاقم أزمة سوق العمل ‏بسبب فترة الإغلاق التي شهدها العالم في العام 2020‏"‎.‎
 
الفرار نحو المجهول... الردع لم يكفِ
‎ ‎
واللافت في قضية الهجرة السرية أو "الفرار" نحو المجهول، أنّ الإجراءات الردعية لم تعُد تُرهب ‏‏"الحراقة"، إذ بالعادة يتمُ تقديم هؤلاء أمام المحاكم وتوجه لهم تهمة "محاولة مغادرة الإقليم ‏الوطني بطريقة غير قانونية" ."‎وذلك بموجب تعديل قانوني، أقرته الجزائر عام 2009 ينص على معاقبة "كل جزائري أو ‏أجنبي يُغادر الإقليم الوطني بصفة غير شرعية" بغرامة و/ أو سجنه لمدة تصل 6 أشهر.
 
ووفق الخطاب الرسمي، فإن ظاهرة "الحراقة" ليست لها علاقة بفقدان الأمل أو الإحباط الذي ‏يسكن الشباب الجزائري نتيجة أوضاعهم الاجتماعية، وتقول إن وراء هذه الرحلات شبكات ‏اتجار بتهريب البشر، تتمركز بشكل أكبر في الساحل الغربي للجزائر‎.‎
 
والمؤكد أن ظاهرة الهجرة غير الشرعية باتت تقلق الدول الأوروبية وهو ما تعكسه الزيارات ‏المتكررة لمسؤولين من دولتي إسبانيا وإيطاليا الى الجزائر، بدليل أن المفوضية الأوروبية في إسبانيا، عبرت ‏مؤخراً عن قلقها إزاء الأعداد المرتفعة للحراقة الجزائريين الواصلين إلى سواحل هذا البلد، منذ ‏مطلع العام الجاري‎.‎
 
ووفق وسائل إعلام إيطالية، فاق عدد المهاجرين غير النظاميين المبحرين من الجزائر 1000 ‏شخص منذ بداية 2020 أغلبهم وصلوا الى جزيرة سردينيا، وفي إسبانيا ذكرت صحف محلية أن ‏نحو 3 آلاف مهاجر غير نظامي وصلوا من الجزائر‎ .‎
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم