إعلان

صُباح الأحمد قوة الكويت... برسالتها

المصدر: النهار العربي
خيرالله خيرالله
خيرالله خيرالله
أمير الكويت الراحل الشيخ صباح الأحمد الصباح
أمير الكويت الراحل الشيخ صباح الأحمد الصباح
A+ A-
 
كان الشيخ صباح الأحمد، امير الكويت الذي رحل عن 91 عاماً، رجلاً استثنائيا بكل المقاييس. كان أحد آخر الكبار في المنطقة. لذلك سينعكس غيابه بشكل استثنائي على مختلف الملفات من المحيط الى الخليج. كان يتعاطى شخصياً بكلّ هذه الملفات وبأدق التفاصيل فيها. شغل وزارة الخارجية أربعة عقود ابتداء من العام 1964 ولم يكن مهندس السياسة الخارجية للكويت فحسب، بل لعب دوراً يتجاوز الكويت بدءا بوساطة بين المملكة العربية السعودية ومصر في عهد جمال عبدالناصر الذي أرسل الجيش المصري الى اليمن بغية تثبيت النظام الجمهوري الذي قام في 26 ايلول (سبتمبر) 1962.
 
كان الملفّ اليمني، على سبيل المثال وليس الحصر، ملفّاً كويتيا، الى حدّ كبير في كلّ وقت. كان الشيخ صباح، الذي عرف لبنان عن كثب ورعا الفلسطينيين وقضيتهم قبل ان يصاب بخيبة كبيرة بسبب موقف ياسر عرفات من الغزو العراقي في العام 1990،  يمتلك قدرة فائقة على توسيع الهامش الذي تتحرّك فيه الكويت خارج حدودها، خصوصاً على الصعيد العربي. جعل من الكويت بلدا عربيا مختلفا يمتلك وضعا خاصاً به وسياسة متميّزة.
 
الدليل على ذلك انّ الكويت لم تقاطع اليمن الجنوبي عندما اصبح دولة ماركسية تدور في الفلك السوفياتي ابتداء من العام 1972. أبقى على علاقة مع عدن وكانت الكويت الدولة الخليجية الوحيدة التي نفّذت مشاريع في الجنوب اليمني في مرحلة ما قبل الوحدة التي تم التوصّل اليها في 22  ايّار  (مايو) 1990. بنت الكويت طرقات ومدارس ومستشفيات في اليمن الجنوبي مصرّة على ان تكون استثناء خليجياً في هذا البلد الذي قرّر في مرحلة معيّنة ان يعيش في عالم خاص به، والتحوّل الى موطئ قدم للاتحاد السوفياتي في شبه الجزيرة العربيّة. 
 
أهّل الشيخ صباح، الذي يناديه الكويتيون "أبو ناصر"، بلده الصغير ليكون قادرا على التعاطي مع الجميع. مع اميركا ومع الاتحاد السوفياتي، في عزّ الحرب الباردة. وهذا ما سمح للكويت بانّ تكون في كلّ وقت وسيطا بين هذا البلد العربي او ذاك وان تلعب دورا إنسانيا كلّما دعت الحاجة الى ذلك. هذا ما جعل من صُباح الأحمد يستحقّ تقدير الأمم المتّحدة الأمم المتحدة، في ضوء الجهود الكبيرة التي بذلتها الكويت لجمع التبرعات للشعب السوري في العام 2014.
رحل "أبو ناصر" في وقت أحوج ما تكون إليه المرحلة. إلى حكمته وبصيرته وتغليبه الدائم للتسويات السلمية والحوار والحلول السلمية على ما عداها من سياسات. رحل الرجل الذي يعرف ملفات كل دول المنطقة كما يعرف تفاصيل ما يجري في الكويت، بلده الذي تدرج في مختلف مستويات الحكم فيه منذ اكثر من 70 عاما. 
 
اعلن مجلس الوزراء الكويتي تسمية الشيخ نواف الاحمد اميرا للبلاد وهو اقسم يوم الاربعاء 30 أيلول - سبتمبر 2020 امام البرلمان ليتولى مسند الامارة ويكمل الطريق الذي عبده صباح الاحمد، على ان يصار بكل هدوء وسلاسة الى ترتيب بيت الحكم وفق احكام الدستور واعراف اسرة الصباح. فسؤال الايّام المقبلة من سيكون وليّ العهد في عهد نواف الأحمد؟ ستتوقف أمور كثيرة في الكويت على شخصية وليّ العهد الجديد وذلك على الرغم من الدور المحوري الذي يلعبه أمير الدولة.
 
لم يكن غياب صُباح الأحمد حدثا عاديا، فقد كان يؤمن بأن قوة الكويت برسالتها لا بحجمها او موقعها، وهو صاغ بنفسه وتجربته ومسيرته جزءا كبيرا من هذه الرسالة، ولذلك لم يخل اي تكتل اقليمي ناجح، بما في ذلك مجلس التعاون لدول الخليح العربية، الذي تأسس في العام 1981 في أبو ظبي من بصمته ولم ترتسم خرائط الحلول الا بقلمه ولم تكتمل حملات المساعدات والاغاثات الكبرى الا بدوره ولذلك لقبه العالم بـ"القائد الإنساني". 
 
تظلّ في حياة صباح الأحمد محطات مهمّة تعطي فكرة عن دوره. ففي عزّ الحرب العراقية – الإيرانية بين 1980و 1988، استطاعت الديبلوماسية الكويتية الخروج بصيغة ضمنت للكويت متابعة تصدير نفطها. وحده صُبآح الأحمد كان يمتلك الرصيد الدولي الذي يسمح برفع العلمين الأميركي والسوفياتي على ناقلات النفط الكويتية. وهذا امر لم تستطع أي دولة أخرى في لعالم ان تفعله في عزّ الحرب الباردة. لم تعد ايران تتجرّأ على الاعتداء على هذه الناقلات بعدما هدّدت بذلك.
 
لكن الإنجاز الأكبر لصُباح الأحمد يتمثّل في الدور الذي لعبه في العام 1990 مع الأمير وقتذاك الشيخ جابر الأحمد ومع وليّ العهد الشيخ سعد العبدالله في استعادة الكويت من الاحتلال العراقي. في تلك المرحلة ظهر رصيد الكويت الذي بناه الثلاثي الذي جنّد العالم من اجل منع إزالة بلد صغير من الوجود. لا شكّ ان المملكة العربية السعودية التي استضافت قوات التحالف الدولي لعبت دورها في دعم الموقف الكويتي، لكنّ الثابت أيضا انّ اهل السلطة في الكويت كانوا أوفياء للكويت والكويتيين وكانوا يعرفون جيدا من ايّ معدن صُنع الشعب الكويتي. لم يجد صدّام حسين كويتيا واحدا يقبل التعاون معه ويقبل استمرار الاحتلال ويستسلم له.
 
كانت لدى صُباح في كل وقت القدرة على اتخاذ قرارات كبيرة في حجم المخاطر التي تمرّ فيها الكويت والمنطقة. استطاع إبقاء الكويت بعيدة عن نار الازمات الكبيرة، بما في ذلك تلك التي افتعلتها ايران التي لم تتوقف يوما عن رهانها على إيجاد طابور خامس في داخل الكويت. كان ردّ "أبو ناصر" تعبيرا عن فعل ايمان بالكويت والوحدة الوطنية بصفة كونه والدا لكل كويتي اكان سنّيا أو شيعيا أو حضريا أو بدويا . كان بالفعل والد الكلّ في الكويت. كان والدا قبل ان يكون قائدا. لذلك شعر كلّ كويتي يوم وفاته بعيدا عن وطنه انّه فقد شيئا من ذاته. فقد الكويتي صمّام الأمان الذي اسمه "أبو ناصر".
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم