إعلان

"هَبّة تموز" التونسية والصراع على وزارة الداخلية

المصدر: النهار العربي
احمد نظيف
قيس سعيّد وراشد الغنوشي
قيس سعيّد وراشد الغنوشي
A+ A-
لا يزال إعلان الرئيس التونسي قيس سعيّد عن "حالة الخطر الداهم" والتحول الجذري الذي حدث في البلاد على نحو سريع ومفاجئ يثير الكثير من الجدل داخلياً وخارجياً، وفي الوقت نفسه لم تتوقف تأثيرات الحدث في مؤسسات الدولة، خصوصاً أن سعيّد شخصية لا أحد يتوقع ما يمكن أن تقدم عليه في كل لحظة، وهذا ما يثير خصومه في معسكر "حركة النهضة".
 
وفي خطوة بدت غير متوقعة أعلنت الرئاسة التونسية الخميس، تكليف الرئيس سعيّد، مستشاره الأمني رضا غرسلاوي بتسيير وزارة الداخلية. وأدى غرسلاوي اليمين الدستورية ليتولى مهماته خلفاً لرئيس الحكومة المقال هشام المشيشي الذي كان يشرف في الوقت ذاته على إدارة وزارة الداخلية منذ إقالته الوزير السابق توفيق شرف الدين في كانون الثاني (يناير) الماضي. وفي اليوم نفسه قالت وسائل إعلام محلية إنه تقرر إعفاء المدير العام للمصالح المختصة (المخابرات) بوزارة الداخلية، الأزهر لونقو، من مهماته، وتكليف محمد الشريف بدلاً منه. والغريب أن الرئيس سعيّد قد أقدم على تغيرات جوهرية في وزارة الداخلية قبل أن يعين رئيساً للحكومة، لكأنه يريد أن يطمئن على الوزارة الأكثر قوة وتعقيداً في تاريخ البلاد قبل أن يضع رئيساً للحكومة. فهذه الوزارة تستمد قوتها من سلطتها الواسعة على عدد كبير من الأجهزة الأمنية والاستخبارية وشبه العسكرية، خلافاً للسائد في العديد من الدول التي توزع هذه الأجهزة على وزارتي الدفاع والداخلية ورئاسة الدولة.
 
فالداخلية التونسية موضوع تحت تصرفها جهاز الشرطة وجهاز الاستخبارات والقوات الخاصة لمقاومة الإرهاب وجهاز شبه عسكري عالي التدريب والتسليح هو الحرس الوطني، وإلى وقت قريب كانت سلطتها تمتد إلى السجون، قبل أن تسند هذه الوظيفة إلى وزارة العدل. كما تشرف الوزارة على جهاز إداري ضخم يضم الولاة والمعتمدين والعمد والبلديات. وتعتبر من الوزارات ذات القوى العاملة الكبيرة، إذ يشتغل فيها آلاف الأعوان والضباط والموظفين والخبراء.
 
ويبدو قيس سعيّد واعياً بمركزية هذه الوزارة في إدارة البلاد، منذ أن أراد لها مؤسس الجمهورية الحبيب بورقيبة أن تكون دولة أمنية بدلاً من أن تكون عسكرية كشقيقاتها في المغرب والمشرق. لم تؤدِ الوزارة دوراً سياسياً مباشراً، لكنها كانت أقوى الأدوات الدولتية بيد النظام ورأسه. فقد جرت التقاليد مثلاً أن يرفع مدير الأمن الوطني، الرجل الثاني في الوزارة، تقاريرَ الى رئيس الجمهورية مباشرة من دون سلوك التراتبية الوظيفية عبر الوزير الذي هو يمثل رئيسه المباشر. كان بورقيبة يريد أن يسند صلاحيات واسعة للوزارة، لكنه لم يكن يريد للوزير أن يستفرد بها كلها. وفي عهد زين العابدين بن علي، كان جهاز الاستخبارات (المصالح المختصة) يرفع تقاريرَ للرئيس مباشرة متجاوزاً التراتبية، ويمكن أن يكون الوزير نفسه أو عائلته موضوعاً لأحد التقارير.
 
وكان الرئيس سعيّد قد أثار في الشهور الماضية جدلاً واسعاً بعد أن قال في خطاب رسمي إن صلاحياته كقائد أعلى للقوات المسلحة تشمل أيضاً قوات الأمن الداخلي وليس الجيش فقط، مخصصاً قسماً ثانياً من خطابه لهذا التفصيل الدستوري. وأشار إلى أن الأغلبية الحاكمة في عام 2014 بقيادة "حركة النهضة" قد "وضعت الدستور على المقاس لكنها أخطأت المقاس".
 
وتابع: "رئيس الدولة هو القائد الأعلى للقوات المسلحة العسكرية والمدنية. فليكن هذا الأمر واضحاً بالنسبة إلى كل التونسيين في أي موقع كان ... لا أميل إلى احتكار هذه القوات لكن وجب احترام الدستور". وقد قوبل هذا الخطاب حينذاك بهجوم إعلامي من رموز "حركة النهضة" ومؤسساتها الإعلامية.
 
فـ"حركة النهضة" تعي أيضاً قوة الداخلية وأهميتها في الحكم لذلك حاولت خلال وجودها في السلطة طيلة عشر سنوات السيطرة على الوزارة. يكاد لا يوجد "نهضاوي" واحد في تونس لم يزر وزارة الداخلية من بابها الخلفي قبل عام 2011. شكلت هذه الوزارة على مدى أربعة عقود من عمر الحركة الإسلامية كابوساً مرعباً للإسلاميين وحاجزاً صلباً أمام أحلام الحركة في الوصول إلى السلطة. فقدت الحركة العشرات من عناصرها داخل زنازين الداخلية تحت التعذيب، فيما نجح محققو الوزارة في إفشال مخططين للانقلاب العسكري كانت الحركة تدبرهما في 1987 ضد الرئيس بورقيبة وفي 1991 ضد الرئيس زين العابدين بن علي.
 
كان تقدير "النهضة" للوضع، بعد عودتها إلى الساحة في عام 2011، يشير إلى أن الجهة الوحيدة التي يمكن أن تشكل خطراً على الثورة والحركة هي الأجهزة الأمنية وليس الجيش. كانت الحركة تدرك جيداً أن للرجل علاقات واسعة داخل الجهاز الأمني إلى حدود بداية التسعينات من القرن الماضي، وافترضت أنه أعاد ترميمها بعد هروب بن علي، لذلك كانت تخشى أن تأتيها الضربة من البناية الرمادية، فهي لم تنسَ أن بضعة عناصر من القوات الخاصة التابعة للحرس الوطني استطاعت إنهاء نظام بورقيبة في ساعات قليلة.
 
مع وصولها إلى السلطة في تشرين الأول (أكتوبر) 2011، ازدادت الحركة قوة، فيما زاد وضع الداخلية تشرذماً، وتحوّلت الوزارة إلى أجنحة متفرقة الولاء. منح الدستور الصغير، الذي ينظم السلطة الموقتة، السلطة على الجيش للرئيس، منصف المرزوقي، فيما استفردت "حركة النهضة" بالسيطرة على وزارة الداخلية ووضعت على رأسها عليّ العريض في 17 كانون الأول (ديسمبر) 2011.
 
كانت الحركة تعتقد بوجود أجنحة غير مسيطر عليها داخل وزارة الداخلية، وفي كل الأجهزة. وهذه الريبة من وجود قوى معادية داخل الأمن تجلّت بوضوح، خلال الاجتماع غير المعلن، الذي جمع راشد الغنوشي وقيادات من التيار السلفي ربيع العام 2012 عندما تحدث راشد الغنوشي عن اختلال موازين القوى، وأن "النهضة" قد أخذت "حق الحكم" بالانتخابات لكنها لم تتمكن بعد من السلطة. وقال: "الآن صحيح أن هذه الفئات العلمانية لا تحكم لكن الإعلام بيد من؟ الإعلام بيدهم والاقتصاد بيدهم والإدارة التونسية، صحيح نحن موجودون فوق (يقصد على رأس هذه الإدارة) لكن ما زالت حتى الآن، بيد النظام السابق بداية من العمد. الجيش غير مضمون، الجيش بيدهم. والشرطة غير مضمونة: هل تتصورون أن ما قامت به الشرطة قد أذن به عليّ العريّض فعلاً؟ لا لم يأذن ... هذه سلسلة النظام السابق موجودة. يا إخواني لا يغرنكم العدد إن كنتم خرجتم ألفين أو ثلاثة آلاف أو 10 آلاف أو حتى عشرين ألفاً، فأركان الدولة ومفاصل الدولة ما زالت بأيديهم".
 
فبقدر ما كانت المؤسسة العسكرية في تونس كعلبة سوداء مغلقة، بعيدةً من السياسة، فإن وزارة الداخلية كانت دائماً مفتوحةً أمام تدخلات نخب السياسة والمال. وكان لوزراء الداخلية ومديري الأمن وقادة أجهزة المخابرات ولاءات وميولات لأجنحة دون أخرى داخل النظام، عندما كان النظام أوحدَ، لا شريك له في السلطة. وبعد أن سقط النظام الواحد، أصبحت الوزارة وأجهزتها نهباً للعديد من مراكز القوى في البلاد، ويبدو أن الرئيس سعيّد يريد إنهاء هذه الحالة من الشتات.
الكلمات الدالة