إعلان

حرائق الطّبقة السياسيّة وسلاحها المتفجّر ضد اللّبنانيّين

المصدر: النهار العربي
ابراهيم حيدر
انفجار مرفأ بيروت
انفجار مرفأ بيروت
A+ A-
تستثمر الطبقة السياسية اللبنانية في الانهيار، وتسعى إلى تعويم نفسها رغم كل الكوارث التي أصابت لبنان وهي مسؤولة عنها بحكم تقاسم أفرقائها السلطة والمؤسسات والهيمنة عليها، وتتحمل مسؤولية ما حل بالدولة من ترهل وتحوّلها إلى دولة فاشلة، أوصلت البلد إلى الانسداد، وهو ما يظهر بعجزها عن إخراجه من الأزمة وعدم القدرة على صوغ تسويات، ليس لتشكيل الحكومة فحسب، بل أيضاً لوضع لبنان على سكة الإنقاذ ووقف الانهيار المتوالي فصولاً في كل المجالات.
 
وبينما تعجز القوى الحاكمة السياسية والطائفية حتى عن تشكيل حكومة، رغم تكليف رئيس جديد هو نجيب ميقاتي، ومحاولة القفز فوق المصائب من خلال بث الأجواء الإيجابية حول التشكيل، ها هي تسعى لرفع مسؤوليتها عن انفجار الرابع من آب (أغسطس) 2020 في مرفأ بيروت، وتعمل جاهدة لوقف مشروع رفع الحصانات أو تعديله، بما يؤدي الى تبرئتها وإحالة مسؤولية التفجير إلى مجهول بعد عام على المجزرة المروّعة والكارثة التي حلت باللبنانيين، لا بل إنها تستثمر بالانفجار لتأبيد سيطرتها على مفاصل الحكم وسط الأزمات، وتحويل الأنظار الى ملفات أخرى في الصراع القائم على السلطة والصلاحيات.
 
قبل أيام من الذكرى الأولى لانفجار المرفأ المروّع، لا يظهر أن هناك توافقاً على تشكيل حكومة تستجيب للأزمة وتسعى إلى حلها. فعلى رغم اللقاءات بين رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلف نجيب ميقاتي، لا تزال المسائل العالقة على حالها، بدءاً من توزيع الحقائب إلى آلية التسمية، ثم الخلاف على وزارتي العدل والداخلية. وأكثر من ذلك، لا يبدو أن المجتمع الدولي يضغط على المعطلين، إذ إن الأوروبيين يتجنّبون حتى الآن فرض عقوبات مباشرة بعكس ما يطالب به الفرنسيون، فيما المسؤولية المباشرة عن التقدم نحو التشكيل يتحملها بالدرجة الأولى رئيس الجمهورية الذي يضع شروطاً قاسية في مسألة الثلث المعطل ويحاول الإمساك بوزارات أساسية تتحكم بالانتخابات النيابية المقررة في أيار (مايو) المقبل، ومنها حسم الموضوع الرئاسي لجبران باسيل. وفي المقابل، يتحمل "حزب الله" مسؤولية في ما يتعلق بالوضع الراهن، وعلاقته بالوضع الإقليمي، إذ إن تدخلاته الخارجية انعكست داخلياً على المسار الحكومي اللبناني، حين كرّس معادلة الثلث المعطل بعد حوادث 7 أيار (مايو) 2008 واتفاق الدوحة، فضلاً عن رفض المجتمع الدولي والعربي أن يكون مشاركاً ومقرراً في الحكومة.
 
تتحضر قوى كثيرة في لبنان لمرحلة أسوأ، وتنتظر المشاورات الحكومية وإلى أين يمكن أن تسير الأمور خلال الأسبوعين المقبلين، وهي تريد تجاوز تداعيات الذكرى الأولى لانفجار المرفاً، الذي كشف عجز السلطة الحاكمة عن حماية اللبنانيين، وتوفير أبسط مقومات الأمن لهم، وأظهر خوف النظام السياسي والطائفي من تحمل المسؤولية ومحاسبة الذين تسببوا بالانفجار بعد تخزين نيترات الأمونيوم. الكارثة أضافت أزمة جديدة إلى أزمات لبنان المتفجرة، وأظهرت على ما نشهده اليوم أن السلطة وتحالفها الحاكم والطبقة السياسية الفاسدة يسعون إلى إنقاذ أنفسهم أمام العالم من دون اكتراث لحياة اللبنانيين وأمنهم، فتتركهم لمصيرهم وتزيد المصائب التي تراكمت على مدى أكثر من ثلاثة عقود.
 
التعطيل هو المتحكم بلبنان، ولم تظهر مؤشرات توافق حقيقية حول تشكيل الحكومة. والخطورة تكمن اليوم في الطريقة التي تدار فيها العملية، فمحاولات فرض أعراف جديدة في البلد، في تأليف الحكومة وغيرها، وفرض أجندات خارجية باتت واقعاً، حيث تتلاقى كل القوى السياسية والطائفية على تكريس الهيمنة داخل الطوائف وإبراز دور الأقوياء فيها، وهو ما يضرب كل الصيغة والدستور، وهي تتهرب من مسؤولياتها وتحيل أصل المشكلة إلى النظام السياسي، فإذا بقوى تساهم في التعطيل وتفرض الشروط وتكرّس أعراف الأمر الواقع، تحاول النجاة من المحاسبة عن إيصال البلد إلى هذه المرحلة المفصلية الخطيرة من تاريخه. وها هو تقاسم السلطة يقوم على مبدأ المحاصصة واختزالها بجهات محددة، توفر للمرتكبين والمتهمين الحماية المذهبية والطائفية، وهذا ما ظهر في ملف رفع الحصانات ومحاكمة الوزراء والنواب أو التحقيق معهم.
 
الطبقة الحاكمة ورأس الهرم والقوى السياسية والطائفية يحيلون مسؤولية التعطيل الى تركيبة النظام وهم أركانه، ويتغاضون عما حدث في المرفأ قبل انفجاره، فيما البحث الحكومي ينشغل بتفاصيل داخلية على قاعدة المحاصصة والهيمنة على القرار، أما الحديث عن فائض القوة لـ"حزب الله" فبات في مرتبة خلفية، حيث ينتظر كثيرون في الداخل والخارج، وبينهم الأوروبيون، مستقبل العلاقة مع طهران في ضوء مفاوضات النووي، وما قد ينعكس على لبنان، وهل نحن أمام مرحلة جديدة من النفوذ والإطباق على البلد؟
 
في المحصلة، يظهر أن الخروج من الأزمة بعد تكليف رئيس حكومة جديد، رهان ليس في محله، في ضوء التعقيدات المستمرة في المشهد السياسي وارتباطها بعوامل خارجية عدة. الواضح أن تغطية المجتمعين العربي والدولي لنجيب ميقاتي ليس كافياً، وهو أمر يُفهم من شح المساعدات للبنان، والتي يبدو أنها ستبقى مشروطة إلى حين التوصل إلى تسوية للوضع السياسي، وتفاهم، خصوصاً في ما يتعلق بالسياسة الخارجية للبنان، وعلى هذا تستمر العقوبات الأميركية ويُعلّق البلد على الاستثمار السياسي الإيراني عبر "حزب الله"، فيما الخلاف الداخلي مستمر على الحصص، وترفع القوى السياسية من سقف شروطها، ويُمسك ميشال عون وصهره رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل بمفاصل القرار من قصر بعبدا، ويضعان مزيداً من الشروط أمام مهمة ميقاتي، بما فيها طرح إقالة شخصيات تتسلم مسؤوليات أساسية في البلد، ويتم تقاذف المسؤوليات عن التعطيل.
السلطة اللبنانية تؤكد في ذكرى انفجار المرفأ المروّع عجزها وعدم قدرتها على الإنقاذ وفشلها في حماية المواطنين. ولا بد من إسقاط هيمنتها للخروج من تحت الركام وإعادة البناء من جديد.
 
twitter: @ihaidar62
 
الكلمات الدالة