إعلان

هل يحتاج لبنان الى صلاة أم إلى "تعويذ" ضد الشياطين؟

المصدر: النهار العربي
فارس خشان
فارس خشان
البابا فرنسيس ورئيس الحكومة اللبنانية المكلف سعد الحريري في 22 نيسان الماضي.رويترز
البابا فرنسيس ورئيس الحكومة اللبنانية المكلف سعد الحريري في 22 نيسان الماضي.رويترز
A+ A-
إيمان البابا فرنسيس بالصلاة لا يتزحزح. في العام 2019، عبّر عن إيمانه هذا بكتاب حمل عنوان "قوة الصلاة". 
 
وسيلته الأنجع هذه، قرّر أن يضعها في خدمة لبنان، بتخصيص هذا اليوم، بأكمله، محاطاً بالرؤساء الروحيين لعشر طوائف لبنانية، للصلاة والتأمّل من أجل لبنان، داعياً جميع المؤمنين، أينما كانوا، الى الإنضمام إليهم، بالروح.
 
ولكن، هل يمكن، بالصلاة، إنقاذ بلد استحكم به الشياطين وحوّلوه الى مرتع جهنّمي لهم؟ ألم يلعب هؤلاء الذين سيحيط البابا نفسه بهم، اليوم دوراً في تحكيم شياطين السياسية برقاب البلاد والعباد؟ أليس بين هؤلاء، من حمى رئيساً طالب الشعب بإقصائه، نظراً لارتكاباته؟ أليس بين هؤلاء من حمى فساد فاسد، باسم مصلحة طائفته؟ أليس بين هؤلاء من ينام على يد ديكتاتور يستبيح دماء شعبه، بالتفقير والإعتقال والسحل والمجازر؟
 
وعليه، ألم يكن الأجدى أن يُخضع لبنان السياسي والمالي والإقتصادي والطائفي لجلسة "تعويذ"(اكزورسيسم) لطرد الأرواح الشريرة المستحكمة به وبشعبه؟
وماذا تعني الصلاة، بالنسبة لوضعية بلد مثل لبنان، سوى تقديم دليل على وصول اليأس من كل الوسائل البشرية إلى قعره؟ في هذه الحال، ألا تعود هذه الصلاة مثلها مثل صلاة يرفعها لاعب روليت، في كازينو، على أمل أن يستعيد ما بدّده من أموال، ومثلها مثل صلاة تائه في الصحراء ينشد قطرة ماء ترد عنه موتاً وشيكاً؟
 
لا يبدو أنّ البابا فرنسيس ينظر الى الأمور من هذه الزاوية، فهو، في كتابه "قوة الصلاة" وردّاً على سؤال طرحه، أجاب نفسه:" نحن نصلّي من أجل حصول معجزة، ومن أجل تحمّل الألم، ومن أجل أن نبقى أقوياء، ومن أجل أن نغيّر أنفسنا".
 
والأهم أنّه يوصي من يصلّي بألّا يتردد في "توبيخ" الله قليلاً، على أساس تذكيره بوعوده السابقة وإخلاله بها. 
 
وبهذا المعنى، قد تكون دعوة البابا فرنسيس الى معالجة كارثة لبنان بالصلاة والتأمّل مفهومة، فحالة لبنان، مثلها مثل حالة مريض اشتدّ عليه المرض، ولمّا عاينه أبرع الأطباء، أبلغ ذويه:" لم يعد ثمة ما ينفعه غير الصلاة".
 
وبالفعل، لم يبق تقرير محلي واقليمي ودولي عن حقيقة ما وصلت اليه أمور لبنان إلّا وتلقى البابا ومعاونوه في الفاتيكان نسخة عنه.
 
كل هذه التقارير تفيد بأنّ لبنان في وضعية "الميؤوس منه"، وهو يحتاج الى معجزة، حتى يتجاوز ما يعاني منه. 
 
وأمس الأوّل، وجّه وزراء خارجية الولايات المتحدة الأميركية توني بليمكن، وفرنسا جان ايف لودريان، والمملكة العربية السعودية فيصل بن فرحان، نداء مشتركا الى القيادات السياسية في لبنان لتحريك المسارين السياسي والاصلاحي في البلاد.
 
محلّل الشؤون الأوروبية في إذاعة "اوروبا ١" فنسنت ايرفويه، هو من تولّى التعليق على من سمّاهم "الفرسان الثلاثة"، فأشار إلى ان دولهم عاجزة في لبنان لأنها تنقصها دولة رابعة، هي إيران، فاذا كانت فرنسا قوة انتدابية سابقة، والولايات المتحدة الاميركية واكبت لبنان منذ الخمسينيات، والمملكة العربية السعودية تولّت تمويل لبنان لسنوات طويلة بعد انتهاء الحرب الأهلية فيه، فإنّ ايران قد استعمرت لبنان من الداخل وأغرقت الدولة واقفلت الأفق السياسي.
 
وقال إنّ أمل وزراء خارجية الدول الثلاثة بأن يتم الإستماع إليهم في لبنان، مثله مثل انتظار أن يُنظّم "حزب الله" مظاهرة "يوم الفخر" للمثليين في بيروت.
وعليه، عندما يسخر العارف من عجز أهم ثلاث دول معنية بالشأن اللبناني، في ظل سخرية القريب والبعيد من قدرات القيادات السياسية اللبنانية، فهذا يعني أنّه لم يعد ثمّة ما يفيد لبنان سوى الصلاة.
 
ولكن، أليس لبنان بلد الصلاة يُدعى، حيث تصدح الاجراس والمآذن، وتبث خطب الآحاد والجمعة والأعياد، على الملأ؟ أليس لبنان دولة يحكمها ممثلو الطوائف؟ أليس لبنان دولة أحزاب تنسب غالبيتها نفسها، سواء بالاسم أو بالعقيدة أو بالخطابة، الى الله؟
 
كيف يعقل أن يكون لبنان، بهذه المواصفات، حتى يكون اللجوء الى الصلاة حلّاً ناجعاً؟
هل هذا يعني ان رافعي رايات الله وانبيائه ورسله وقديسيه وأوليائه في لبنان مجرد منافقين؟
هل هذا يعني ان هؤلاء يستغلون الاديان والطوائف من أجل مصالح خاصة ممّا يثير غضب الله؟
هل هذا ما يريد ان يقوله الفاتيكان بدعوته الى يوم صلاة من أجل لبنان؟
إذا كان الأمر كذلك، فالصلاة تصبح مفهومة وضرورية وملحّة.
 
أم أن للصلاة بالمعطى الفاتيكاني معنى آخر، على قاعدة "ساعد نفسك تساعدك السماء"، بحيث تتحوّل الصلاة الى شحذ الهمم من أجل عمل استتثنائي يفتح الطريق امام المعجزة المرجوة؟
 
هل الصلاة هي مجرد نداء الى الله ام إنّها نداء الى عباده، في كل ارجاء المعمورة، للضغط على حكوماتهم من اجل نصرة لبنان، حتى يتخلّص بسرعة مما سماه محلل "أوروبا 1"استعمارا ايرانيا من الداخل، وحتى تكون هناك انتخابات نيابية على اسس ديموقراطية سليمة تنتج قيادات  قادرة، من جهة ومؤسسات خاضعة للمساءلة، من جهة اخرى، وحتى يحظى اللبنانيون الذين يراهم الغرب، بفضل الانتفاضات الأهلية المتلاحقة، وكان ابرزها ثورة ١٧ تشرين الاول  ٢٠١٩، وما عادت وأنتجته في انتخابات نقابتي المحامين والمهندسين، باتوا جاهزين لبناء دولة حديثة،( حتى يحظوا) بشخصية إصلاحية وسيادية مثل فؤاد شهاب، بعدما كان الراحل قد يئس من بناء دولة حديثة، بفعل غياب الإرادة الشعبية الواجبة؟
 
بهذا المعنى نعم للصلاة من اجل لبنان، في الفاتيكان وحيث وجد مؤمن بالله.
 
وإلى هؤلاء، في هذه الحالة، ننضم نحن ونصلي:
ابانا الذي في السماوات، أعطنا خبزنا كفاف يومنا، بعدما سرقته منا مافيات السلطة وأخذته منّا عصابات التهريب وسدّت طرقه الينا ميليشيات المقاومة.
ونجّنا من الشرير الذي يتدثّر باسمك حين ينهبنا ويقتلنا ويدمّرنا ويهددنا ويهجّرنا.
 
اللهم لا نريد ان نستقوي بك على غيرنا، اهّلنا أن نستقوي جميعنا على هؤلاء الأشرار ونوحّد قلوبنا للتخلّص منهم، وحرّرنا من أنانيتنا الفردية حتى نتمكن من ايجاد قيادات نافعة.
 
اللّهم حوّل يأسنا الى رجاء، وعجزنا الى معجزة، وكوابيسنا الى احلام، واحلامنا الى افعال، وافعالنا الى خيرات، وخيراتنا الى مشاركة.
 
اللهم ساعدنا على تغيير موجة الهجرة، فلا يعود يهرب المواطن بل مضطهده وسارقه ومستغله ومفقره وقاتله.
 
يا رب، ألم يثر غثيانك بعد جميع هؤلاء الذين باسمك يتدثّرون لارتكاب أفظع الجرائم، وتهديم أجمل الدول؟ ألم تعدنا بالخلاص، فهل يعقل أن تنسى تعهّداتك؟
 
اللّهم نوّر عقول رؤساء الطوائف المسيحية، فتسقط حماياتهم عن الحاكم المفسد، وعن المسؤول الفاسد، وعن الديكتاتور القاتل.
 
اللّهم، لا تخذل البابا فرنسيس، فساعده حتى يبيّن قوة الصلاة في زمن تطيح القوة بكل الحقوق وبكل المبادئ.
أمين.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم