إعلان

المحكمة الاتّحادية وتقويض الدّيموقراطية الهشّة في العراق (2 من 2)

المصدر: النهار العربي
عقيل عباس
عقيل عباس
أعضاء المحكمة الاتحادية العليا في العراق يؤدون اليمين أمام رئيس الجمهورية برهم صالح في نيسان (أبريل) 2021.
أعضاء المحكمة الاتحادية العليا في العراق يؤدون اليمين أمام رئيس الجمهورية برهم صالح في نيسان (أبريل) 2021.
A+ A-
 لعل السلوك الأشد إضراراً بمصالح البلد الذي اتبعته الطبقة السياسية المتنفذة في العراق، وتسبب بمآزق كثيرة، هو اتّباع أسلوب الترقيع في التعاطي مع المشكلات الذي يساهم في تأجيل المشكلة فقط لا حلها، بل يفاقمها أكثر. تمثل المحكمة الاتحادية مثالاً بارزاً على استخدام هذا الأسلوب، بحيث انتهى البلد بمحكمة اتحادية دورها حاسم في حسم النزاعات الكثيرة فيه، من دون أن يكون لها غطاء دستوري أو قانوني يخوّلها لعب هذا الدور. ليس للمحكمة الاتحادية الحالية الحق في تفسير الدستور ولا المصادقة على نتائج الانتخابات، لكن في ظل الترقيع السائد سياسياً، أصبحت هذه المحكمة تفعل كل هذا وأكثر، وبضمنه إعادة تعريف الفوز والخسارة الانتخابيين وتفسير الديموقراطية بخلاف معناها المعروف لتصبح في العراق تعني هيمنة الأقلية على الأغلبية. لا تقوم بمثل هذا الدور أي محكمة دستورية عليا في العالم كاملة الصلاحيات. لو اتبعت الطبقة السياسية الدستور بخصوص المحكمة الاتحادية، لكان البلد تجنب الكثير من المشكلات والترقيعات التي رافقتها.

نَصّ الدستور العراقي الذي صادق عليه استفتاء شعبي في 2005 في مادته الـ92 في الفقرة الثانية، على أن "تتكوّن المحكمة الاتحادية العليا، من عدد من القضاة، وخبراء في الفقه الإسلامي، وفقهاء القانون، يُحدد عددهم، وتُنظم طريقة اختيارهم، وعمل المحكمة، بقانون يُسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب". وحددت المادة التالية من الدستور صلاحياتٍ ثمانٍ لهذه المحكمة، بينها الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة، وتفسير نصوص الدستور والمصادقة على النتائج النهائية للانتخابات العامة لعضوية مجلس النواب. هذه هي المحكمة الوحيدة، وليس غيرها، التي يحق لها تفسير الدستور والبت بدستورية القوانين ونقضها. لكن على مدى الـ17 عاماً الماضية، لم تستطع القوى السياسية، بسبب خلافاتها الكثيرة، تشكيل هذه المحكمة والتصويت عليها كي تتولى هذه المهام الضرورية وغيرها من الصلاحيات التي حددها لها الدستور.

بدلاً من ذلك، لجأت هذه القوى إلى الترقيع المعتاد، فمنحت هذه الصلاحيات لمحكمة أخرى تشكلت قبل كتابة الدستور والتصويت عليه هي المحكمة الحالية. المشكلة الأساسية التي لا يمكن للترقيع أن يقفز عليها، هي أن هذه المحكمة تشكلت لأغراض أخرى وبصلاحيات مختلفة لا علاقة لها بالدستور الحالي الذي لم يكن قد كُتب حينها ولم يُصوت عليه ويصبح نافذاً، بل كان تشكيلها مرتبطاً بمرحلة انتقالية مؤقتة، دورها فيها انتقالي ومؤقت ويُفترض أنه انتهى بنهاية عام 2005.

تشكلت هذه المحكمة بموجب الأمر 30 في شهر شباط (فبراير) لعام 2005، بتوقيع السيد إياد علاوي، رئيس الحكومة المؤقتة حينها التي تمتعت بسلطات تشريعية وتنفيذية تسمح لها بتشكيل المحكمة. في حينها كان الدستور المؤقت للعراق هو "قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية" الذي ظل نافذاً بحدود عام ونصف، من يوم 30 حزيران (يونيو) 2004 (نهاية الاحتلال الأميركي للعراق رسمياً وتسليم السلطة لحكومة السيد إياد علاوي) إلى يوم 31 كانون الأول (ديسمبر) 2005، أو عند تشكيل أول حكومة عراقية منتخبة بموجب الدستور الجديد. كان الغرض من تشكيل هذه المحكمة هو توفير جهة قضائية مستقلة تحسم النزاعات القانونية بموجب ذلك الدستور المؤقت الذي انتهى بعدما أصبح الدستور الدائم الحالي نافذاً. لذلك نص أمر تشكيل المحكمة على أربع صلاحيات، تختلف معظمها عن الصلاحيات الثماني المنصوص عليها في ما بعد في الدستور الدائم. تتعلق هذه الصلاحيات الأربع بالفصل في النزاعات بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات والإدارات المحلية والبلديات، والنظر في شرعية القوانين والقرارات والأنظمة والأوامر الصادرة من أي جهة تملك حق إصدارها وإلغاء ما يتعارض منها مع قانون الدولة الانتقالي، والنظر في الطعون المقدمة على الأحكام والقرارات الصادرة من محكمة القضاء الإداري والدعاوى المقامة أمامها بصفة استئنافية. ليس في أي من هذه الصلاحيات النظر بدستورية القوانين وتفسير الدستور أو المصادقة على نتائج الانتخابات!

كان الترقيع الأكبر هو السماح لهذه المحكمة المنتهية الصلاحية بأن تتولى أوتوماتيكياً صلاحيات المحكمة الأخرى التي نص الدستور على تشكيلها بكيفية معينة، وبتصويت ثلثي أعضاء مجلس النواب، ولم يستطع المجلس تشكيلها بسبب الخلافات السياسية! يحاجج المدافعون عن هذا الترقيع بأن الدستور العراقي يسمح بذلك، إذ تنص المادة 130 منه على أن "تبقى التشريعات النافذة معمولاً بها، ما لم تلغ أو تعدل وفقاً لأحكام هذا الدستور". لكن استخدام هذه المادة بالذات لمنح المحكمة الحالية شرعية قانونية وصلاحيات دستورية حاكمة على السلطتين التنفيذية والتشريعية مناقض للمنطق والقانون ونص الدستور، لأن هذه المحكمة فاقدة للاختصاص أصلاً، فأمر تشكيلها في 2005 نص على تفسيرها للقوانين ونقضها لها على أساس قانون الدولة الانتقالي المنتهية صلاحيته، أي الدستور المؤقت، وليس على أساس الدستور الدائم الحالي. بعبارة أخرى، تنص المادة 130 على بقاء التشريعات السابقة لحين تشريع أخرى تلغيها أو تعدلها، لكنها لم تنص على تغيير محتوى التشريعات السابقة، لجعلها تنطبق على حالات جديدة لم تُشرع هي أصلاً للتعاطي معها! كما أن الدستور الدائم نَصّ بوضوح على حصر تفسير دستورية القوانين والمصادقة على نتائج الانتخابات وصلاحيات أخرى بمحكمة جديدة تتشكل على أساس قانون محدد، يمرره البرلمان بسقف تصويتي عال وليس بمحكمة سابقة تشكلت لغرض سابق لم يعد موجوداً!

حتى مع كل هذه الخروقات الجلية للدستور والقانون والمنطق، استمرت المحكمة الحالية بتفسير الدستور والمصادقة على نتائج الانتخابات وغيرها نحو 16 عاماً، في ظل تواطؤ سياسي وبرلماني عام لا تبرع فيه إلا طبقة سياسية حاكمة كالتي في العراق، اعتادت أطرافها المختلفة تقديم تنازلات، بعضها للبعض الآخر، للتوصل إلى صفقات تخدم مصالحها المتعددة والمتناقضة أحياناً. لكنّ أحزاب هذه الطبقة السياسية والمتنفذين فيها لا يهتمون بتقديم تنازلات لبعضهم الآخر من أجل تشريع قانون مهم ومنصوص عليه دستورياً كقانون المحكمة الاتحادية خدمةً للمصلحة العامة، وتنفيذاً للدستور الذي لا تمل هذه الطبقة السياسية من الحديث عن احترامه وعلويته والانصياع لنصوصه، وسواها من كلمات التبجيل الدستوري التي لا تتحول إلى أفعال. المفارقة المعتادة والمريرة هنا هي أن المصالح الحزبية والفئوية لهذه الطبقة السياسية لا تنتظر، فيما مصالح المجتمع والدولة التي ينبغي أن تخدم المجتمع يمكن أن تنتظر على نحو مفتوح، حتى مع تراكم الأضرار التي يدفع ثمنها المجتمع والدولة!

في إطار جو التواطؤ العام هذا وغياب رقابة شعبية رصينة، تواصَل الترقيع، ليُمرر البرلمان في آذار (مارس) 2021 تعديلاً غير قانوني ومناقضاً للدستور على الأمر الأصلي لتشكيل المحكمة في 2005، ليمنح بموجبه للمحكمة الحالية الصلاحيات التي نص الدستور على أنها تختص حصراً بمحكمة جديدة تتشكل على أساس القانون المنصوص عليه دستورياً حسب المادة 92. حدث هذا في إطار الاستعداد لإجراء انتخابات تشرين الأول (أكتوبر) العام الماضي، عند حاجة المحكمة لاستكمال نصابها كي تستطيع المصادقة على نتائج الانتخابات بعد حالات وفاة وتقاعد بين عدد من أعضائها! مرة أخرى، كانت تلك فرصة لتشريع القانون اللازم وتشكيل المحكمة على نحو صحيح ودستوري، لكن منطق الصفقات السياسية تغلّب من جديد، ليتم تأجيل التعاطي مع المشكلة إلى وقت آخر. ثم جاءت القرارات الإشكالية الأخيرة للمحكمة، وأهمها اشتراط نصاب الثلثين لانتخاب رئيس الجمهورية، لتقلب محكمة غير مخولة دستورياً معنى الديموقراطية، وتفرض على البلد أن يُسجن في قفص التوافقية من خلال منح الأقلية حق تعطيل حكم الأغلبية!

في كثير من الأنظمة الديموقراطية البرلمانية في العالم، يُصوّت البرلمان عادةً على قضاة المحكمة الدستورية العليا، بعد أن يتفحص سِيَرهم المهنية وتاريخهم القضائي، ويوجه أسئلة لهم لضمان تعيين قضاة نزيهين يفسرون الدستور على نحو مهني صرف. يمنح هذا التصويت هؤلاء القضاة شرعيتهم القانونية والدستورية. نَصّ الدستور العراقي على هذه الآلية الصحيحة، لكنها بقيت معطلة بسبب فشل الطبقة السياسية العراقية في تقديم مصلحة المجتمع على مصالحها الخاصة. لم يصوّت البرلمان على قضاة المحكمة الحاليين ولم يتفحص سجلهم المهني ويسائلهم عنه في إطار عام يستطيع الجمهور الاطلاع عليه. جرى تعيينهم، للمرة الثانية منذ 2005، من خلال ترشيحات مجلس القضاء ومصادقة رئيس الجمهورية على هذه الترشيحات من دون المرور بالبرلمان.

إحدى الفوائد القليلة لأزمة تشكيل الحكومة بعد الانتخابات الأخيرة، وهي الأزمة التي صنعتها قرارات المحكمة الاتحادية، هي انتباه الجمهور للمرة الأولى للكثير من الجوانب القانونية والدستورية في طريقة عمل النظام السياسي العراقي. ينبغي أن يُترجم الوعي الناشئ من هذه الأزمة، المفتوحة لحد الآن، إلى ضغط الرأي العام على الطبقة السياسية بضرورة تشكيل محكمة اتحادية عليا صحيحة، كما نص عليها الدستور، وليس المحكمة الحالية التي تواصلت حياتها واتسعت صلاحياتها بسبب أفعال الترقيع السياسي المستمرة التي قادتنا إلى الأزمة الحالية.

ما من إصلاح حقيقي في العراق من دون إصلاح العطب القانوني الجسيم المرتبط بالمحكمة الاتحادية عبر تشكيل المحكمة التي نص عليها الدستور العراقي.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم