إعلان

معارك القصر والطّوائف تدمّر لبنان... والحكومة على خطّ "النووي"!

المصدر: النهار العربي
ابراهيم حيدر
الحريري مغادراً قصر بعبدا في آخر لقاء مع عون
الحريري مغادراً قصر بعبدا في آخر لقاء مع عون
A+ A-
تفرّدت فرنسا بين الدول الأوروبية باتخاذ إجراءات ضد مسؤولين وأشخاص يعرقلون العملية السياسية في لبنان، أو متورطين بالفساد إلى أراضيها. لم تستطع باريس إقناع الأوروبيين بتبني إجراءات وتنفيذها ضد المعرقلين، خصوصاً الذين عرقلوا المبادرة الفرنسية للحل. لكن دور الفرنسيين الذين لهم مصالح تاريخية في لبنان والمنطقة، لم يتمكنوا من دفع العملية السياسية في لبنان، على الرغم من جمع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المسؤولين اللبنانيين على طاولة واحدة خلال زيارته بيروت بعد انفجار 4 آب (أغسطس) الماضي، ليتبين أن المبادرة الفرنسية بحاجة لقوة دفع أخرى، خصوصاً أميركية، ومرتبطة بالأدوار الإقليمية في المنطقة، لا سيما إيران التي لها اليد الطولى في الملف اللبناني عبر ذراعها وقوتها المسلحة المتمثلة بـ"حزب الله".
 
وعلى الرغم من كلام وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان حول تحميله القوى السياسية مسؤولية الانسداد السياسي، وأن فرنسا لن تقف مكتوفة الأيدي، فإن كل المؤشرات تدل على أن الإجراءات التي لن تصل الى مستوى العقوبات لن تغير من الواقع السياسي اللبناني واصطفافاته واستعصاءاته شيئاً، إذ صار لبنان مجرد ملف هامشي من اهتمامات الدول... وما يجري على المستويين الإقليمي والدولي من مفاوضات حول الملف النووي والعلاقات بين السعودية وإيران مثلاً، وتطورات الوضع السوري، يمكن أن تنعكس على لبنان وتعيد ترتيب التوازنات وتطلق تسوية إنما ببنود مختلفة عما يمكن أن تصل إليه تسوية داخلية بعيدة من رهانات الخارج. ولذا نجد في الداخل اللبناني مزيداً من التصلب بين الفرقاء، يتصدرها رئيس الجمهورية ميشال عون الذي لم يعد يرى سوى المعركة مع الرئيس المكلف سعد الحريري سياسياً، وتركيز رئيس التيار الوطني الحر حربه أيضاً، لوضع الحريري أمام خيارين، إما تشكيل حكومة كما يريدها سيد القصر وصهره، أو الاعتذار. وهذا يعني التمسك بالسلطة والإعلان أنهما المقرران في البلد ويحكمانه ويحددان أيضاً مصير الاستحقاقات المقبلة، بما فيها الانتخابات النيابية والرئاسية. وهذا يحمل دلالات خطيرة بالإقصاء، والانقضاض باسم الطوائف ويؤسس لحروب أهلية مرعبة.
 
وبينما تنطلق مطلع الأسبوع المقبل مجدداً مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركية وحضور الأمم المتحدة، يظهر أن هناك ملفات محددة في لبنان تهمّ المجتمع الدولي مرتبطة بالصراع في المنطقة، فإلى ملف الترسيم هناك "حزب الله" وسلاحه وصواريخه الدقيقة ودوره أيضاً، إضافة إلى ملف الحدود اللبنانية السورية، ومنها ظهرت شبكات المخدرات التي أغرقت دولاً عربية وأوروبية بحبوب الكبتاغون، إضافة الى ملف المرفأ. وغير ذلك ينشغل المسؤولون اللبنانيون بالصراع في ما بينهم، ليتحول البلد ساحة عبثية لنزاعات الطوائف ويسير نحو الانهيار الشامل الذي يطيح كل المقومات ورصيد البلد تاريخياً، كما ينهي الصيغة والتسويات التي كانت دائماً تخرج لبنان من المأزق، وإن كانت برعاية عربية أو دولية. كما يُفقر اللبنانيين الذين تراجعت قدرتهم المعيشية الى حدود خطيرة.
فَهم الفرنسيون أن التركيبة اللبنانية عصية على إنتاج حلول، وغير قادرة على إنتاج التسويات، لذا يسعون الى استخدام أسلوب الصدمة، بالرغم من أنها غير فاعلة، إذ إن العقوبات الأميركية على مسؤولين لبنانيين بعد مؤسسات وكيانات لـ"حزب الله"، وإن كانت مختلفة على أيام الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، لم تؤد إلى تغيير في الداخل اللبناني، بل إلى مزيد من التشدد من القوى المستهدفة والتي تملك فائض قوة للهيمنة على القرار. وأمام هذا الواقع، وفي ظل الاستعصاءات الداخلية وغياب الوصاية الدولية الفاعلة أو عدم اكتراثها بلبنان، يتحوّل البلد الى ساحة صراعات طائفية وسياسية ومافيات متسلطة، للقبض على حصة من القرار، وتحسين موازين القوى أمام القوى الدولية والإقليمية التي تتلاقى اليوم بعد وصول جو بايدن الى الرئاسة وإطلاقه مبادرات مختلفة جذرياً عن سلفه ترامب.
 
الوضع الداخلي اللبناني الذي تحوّل ساحة للصراعات بين القوى السياسية والطائفية، بات في وضع بالغ الحطورة، إذ إن هذه القوى بدأت تعمل على ضبط مناطق هيمنتها من خلال مساعدات لمناصريها، وتتحفز للهيمنة على بيئات أخرى، فيما تتضارب الأجندات والمشاريع التي ترهن البلد للخارج من دون أن تتقدم نحو صوغ تسوية لإنقاذ البلد من حالتي الفراغ والانهيار.
 
المشكلة الأخطر أيضاً أن الانقسام والفوضى في لبنان يأخذان مسارات متفاوتة، وفق هيمنات القوى الطائفية. فساحة المناطق الشيعية التي يمسكها "حزب الله" بفائض القوة والقدرة على ضبطها بالمساعدات والإدارة الذاتية في غياب معالم الدولة، ويمنع فيها أي خروج عن طاعته، هي ليست نفسها في المناطق ذات الغالبية السنية، وكذلك في المناطق المسيحية، حيث الصراعات مفتوحة على مواقع النفوذ والهيمنة، لذا يسعى مثلاً الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري إلى شد العصب واستعادة موقعه في السنية السياسية، وهو لم يعد قادراً على التنازل أو الاعتذار، بينما يتمسك التيار الوطني الحر برئاسة جبران باسيل وبدعم من ميشال عون بشعار حقوق المسيحيين، ويصوّب على القوات اللبنانية التي تسعى الى وراثة شعبية التيار العوني المأزوم، في الوقت الذي يتمسك فيه عون بموقع الحكم والسلطات ويخوض حرباً ضد الحريري تحت عنوان التمسك بالصلاحيات، ويستثمر في الفراغ ويسعى الى تحصيل مكاسب على حساب الحريري والطائفة السنية، في محاولة للتعويض عن خسائره الكبيرة في الساحة المسيحية.
 
التسوية اللبنانية مؤجلة، فيما يترقب الجميع احتمال اتفاق نووي وما قد يلحق بلبنان معه من بنود ملحقة ومحتملة، ومن ضمنها ملف الحكومة. لكن الخطر الماثل أن لبنان ما عاد دولة، إذا كان رأس الحكم يتصرف على قاعدة "علي وعلى أعدائي"، حتى لو زال الكيان...
 
Twitter: @ihaidar62
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم