إعلان

​ ذرائع التأجيل المقدسة

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
  الرئيس الفلسطيني محمود عباس متحدثاً عن الانتخابات.أف ب
الرئيس الفلسطيني محمود عباس متحدثاً عن الانتخابات.أف ب
A+ A-
تُرك الرئيس وحيدا، أتحدث عن الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن)، لا أحد يرغب في تحمل مسؤولية تأجيل الانتخابات، الانتخابات التي بدت كتتويج لأفكار الرئيس نفسه، حوارات الفصائل، والحوار الوطني، والاتفاقات الثنائية مع حماس، القائمة المشتركة بين الفصيلين الرئيسيين، المحاصصة في التشريعي وتزكية أبو مازن رئيساً... كل هذا يتحطم الآن بينما يقف الرئيس وحيدا مع دائرته الضيقة التي تضيق، ولا يبدو أن أجنحة ستنموا له في القريب العاجل.
 
الدائرة التي ضاقت كثيراً حول الرئيس خلال السنوات الأخيرة، والتي تنظر الى الانتخابات مثل قرار باقصائها عن امتيازاتها وتعزيز شبهات الفساد التي تحيط بها وصولاً الى محاسبتها، تبدو مشغولة في صياغة اسباب وطنية وثورية لتأجيل "الانتخابات"، من شعار "لا انتخابات بدون القدس"، "الانتخابات بدون القدس خيانة"، "الانتخابات بدون القدس تخدم صفقة القرن" الى "لا انتخابات في حركات التحرر الوطني"، بحيث يبدو الأمر وكأنه خلاف حول مكانة القدس بين معسكرين، معسكر يمثله الرئيس يتمسك بالقدس، ومعسكر آخر يتساهل في موضوع القدس ويفرط بها، رغم أن الخلاف يقع في الجانب الآخر تماماً بين من يطالب بتحويل الأمر الى مواجهة مع الاحتلال في القدس وغيرها، ومن ينتظر اذناً من الاحتلال لإجراء الانتخابات. 
 
الرحلة التي انطلقت مع "اجتماع الأمناء العامين" في بيروت ايلول (سبتمبر) العام الماضي، في البحث عن "الانتخابات" الفلسطينية وتكريس شرعية "أبو مازن" رئيساً للفلسطينيين كمقدمة لسلسلة من التوافقات وتقاسم الحصص تنتهي بتجديد انتخابه وتجديد شرعية الفصائل والأمناء العامين، انتهت الآن تحت الشعار المخاتل "لا انتخابات بدون القدس"، بعد أن اتضح أنها لم تقرأ الواقع الفلسطيني والاقليمي جيداً وانها ستؤدي الى نتائج لا تشبه تلك التي وضعت لأجلها.
 
خرجت حماس من الاتفاقات، تنكرت تماماً لوعودها، ويبدو أن محاولة الضغط على قيادتها في العاصمة القطرية الدوحة لم تثمر، لن تكون طرفاً في الاتفاق الثنائي على التقاسم، ولن تكون طرفاً في تحمل مسؤولية  قرار تأجيل الانتخابات، وذهب الناطق باسم قائمتها الى الحديث عن اجراءات احتجاجية على القرار، رغم أنها تعرف أن قرار التأجيل يصب في صالحها ويخدم تحكمها في غزة.
 
حكومة "نتنياهو" تركت الباب مواربا، تجاهلت الضغوط الأوروبية التي تطالبها بعدم عرقلة اجراء الانتخابات في القدس الشرقية وحاولت احتواء انتفاضة القدس، حكومة اليمين في اسرائيل مع إلغاء الانتخابات الفلسطينية في القدس والضفة وغزة وليس في القدس وحدها، هذا هو القرار الاسرائيلي، ليس خوفاً من فوز "حماس"، كما يحملون الحمام الزاجل للاتحاد الأوروبي والبيت الأبيض، ولكن لأن الوضع الفلسطيني مثالي تماما للاحتلال بحمولاته من الانقسام والفساد والصراع والهلهلة.
 
 ولكنهم سيمنحون الرئيس الفلسطيني خيطاً باهتاً هو "القدس" ليهبط عليه. لن يعلنوا للوسطاء الاوروبيين وللرباعية وبلينكن والأمم المتحدة والعالم أنهم لن يسمحوا باجراء الانتخابات الفلسطينية في القدس، ولكنهم سيسمحون ل"أبو مازن" أن يقول ذلك بطريقته.
 
قرار عدم الذهاب الى الانتخابات تحت حجة رسالة، "وصلت من اسرائيل اليوم"، تتذرع بعدم وجود حكومة لتقرر الموقف الاحتلالي من الانتخابات في القدس، وترك الأمر رهينة "الرسالة الثانية" المنتظرة، أوتشكيل حكومة اسرائيلية جديدة، هو قفزة واسعة في العتمة، قفزة قد تمنح المحيطين بالرئيس وهم الخلاص الى حين، قصير غالباً، ولكنها ستدفع فلسطين الى فوضى الاحتجاج وستبدد ما تبقى من الثقة، وهي قليلة ومهتزة، في كل ما يصدر عن القيادة الفلسطينية والفصائل والحوار الوطني، و"حكومة الوحدة الوطنية" المقترحة كبديل توافقي بين الفصائل يعفيها من الانتخابات، سابقا ولاحقا، والأخطر أنها ستغذي انقسامات جديدة وصراعات ناشئة، وستمنح حماس شرعية حكم غزة واغراقها في عزلة مضاعفة، وستمنح الأمناء العامين مزيدا من الأوكسجين والكراسي المتحركة. 

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم