إعلان

تربية الولد على الاستقلاليّة أو الــAutonomy

المصدر: النهار العربي
سمير قسطنطين
تعبيرية
تعبيرية
A+ A-
يطلب منك التربويّون أن تربّي ولدَك على الاستقلاليّة، أي على تحمّل المسؤوليّة الذاتيّة، والاعتماد على النفس، والقدرة على إدارة الذات، وعلى الخصوصية الـ privacy. والاستقلاليّة المعروفة في عالم التربية بعبارة الــ Autonomy هي نقيض عبارة الاتكاليّة أو الــ Dependence، وعمودها الفقري صنعُ قراراتٍ سليمة تتعلّق بك وبحياتك.
 
تعويدُ الطفلِ الاستقلاليّة يبدأ في سنّ صغيرة، ويستمرّ حتى المراهقة. في هذه الرحلة، يكون دور الأهل هادفاً عندما يبيّنون للطفل كيف يمكنه إنجاز الأمور، ويدرّبونه على إنجازها، وعندما يكونون صبورين فلا يسارعون إلى إنجازها بدلاً منه. 
 
فما هي هذه الاستقلاليّة إذاً؟ الاستقلاليّة هي حقُّ الفرد بحكم نفسه بقوانينه هو، علماً أنّ الاستقلاليّة هي أن نكونَ أكثر حرّية وليس أن نكون أحراراً بالكليّة. إلّا أنّ الاستقلاليّة أو الــ autonomy لا تكتسب معناها العميق من دون الانخراط في المجتمع، أي من دون ربط استقلاليّتنا بحياتنا في المجتمع. لذا ترى أنّ الطفل المستقلَّ هو طفلٌ سعيد، بينما الطفل الذي نفعل نحن عنه كل شيء إنّما نمنعه من مواجهة الحياة. 
 
في عمرٍ مبكر، تظهر الاستقلاليّة في اختيار الأكل والألعاب، والـ Games، واختيار أن يلعب وحيداً أو مع آخرين، واختيار الأصدقاء والألوان التي يلبسها، ونوع الموسيقى التي يسمعُها، واختيار الأشخاص الذين يُصغي إليهم، واختيار الــLook . كذلك تشمل الاستقلاليّة أخذ القرار باختيار المكان أي أين يكون، وأخذ القرار بخصوص الزمان أي كيف يستعمل وقته، وأخذ القرار برفض التماهي مع الأهل. كما تشمل الاستقلاليّة الحرّية في أخذ القرار في الدرس وحده أو بمساعدة أحد ما. 
 
في عمر المراهقة، تتوسّع دائرة الاستقلاليّة عند الولد لتشمل استقلاليّة في تحليل الأشياء التي سيقرّرها، فيأخذ وقته ليعطيك قراره، واستقلاليّة في اختيار المهنة والاختصاص الجامعي والجامعة، واختيار الهواية واختيار الحبيب أو الحبيبة.
 
ومن سمات الولد الذي تربِّيه على الاستقلاليّة أنّه يفكّر كثيراً قبل اتّخاذ القرار، ويحتار في الأشياء التي يريد أن يسمعَها أو يراها. 
الاستقلاليّة يمكن أن تكون استقلاليّة إيجابيّة أو استقلاليّة سلبيّة. وعند الحديث عن الاستقلاليّة السلبيّة غالباً ما يطرح الأهل السؤال الآتي: "وهل هناك أثمانٌ ندفعُها كأهل إذا ربّينا ولدنا على الاستقلاليّة"؟ 
 
من ميزات الولد الذي يتمتع بالاستقلاليّة الإيجابيّة أنّه يطالع، يناقش، وينتقد. لا يقلِّد بالأكل أو الشرب أو الدرس بل يتصرّف كما يحلو له. له نظريّاته الخاصة في مواضيع عديدة ويتميّز بالاندفاع فقط لأنه يشعر بأنه مستقل. يفعل ما يريد، يريد أن يكون هو ذاته وأن يكون عنده حسّ بالمسؤوليّة. ينتقي البحث Research الذي يريد أن يقوم به حول المواضيع التي تهمّه هو. باختصار، الاستقلاليّة الإيجابيّة ليس فيها ضررٌ له ولا لغيره.
أما الولد الذي يتمتع بالاستقلاليّة السلبيّة، فعنده نظرة سلبيّة إلى العادات العائليّة وانتقادٌ لها. له صبر على تنفيذ فكرته وليس على أحد غيره. لا يقبل النصائح ويرفض التأقلم. يرفض الطاعة فلا يقبل أن تُفرض عليه الأمور في البيت أو في المدرسة. يريد أن يكون القرار له وحده، فيرفض أن يتمِّم الفرض مثلاً، ويتمرّد على لبس الزيّ المدرسي. يكثر استعمال كلمة "أنا" في كلامه، ويعتبر نفسه فريداً ومميّزاً.
 
بعد كلّ ما تقدم، هل نريد أن نربي أولادنا على الاستقلاليّة؟ أعتقد أن الموضوع محسوم لجهة ضرورة تربيته على استقلاليّةٍ إيجابيّة. وهنا لا بُدّ للأهل من أن يقوموا بأربع خطوات مع أولادهم كي لا يدفعوا أثماناً كبيرة. أولّاً، أن يشرحوا للولد معنى المسؤوليّة والاستقلاليّة ويناقشوه فيهما، ويتأكّدوا من مدى فهمه لهذه المفاهيم عبر سؤاله عنها. ثانياً، أن يُعلّموا ولدهم ويدرِّبوه على المهارات اللازمة ليكون قادراً على الاستقلاليّة وتحمّل المسؤوليّة من مثل مهارات اتّخاذ القرارات. ثالثاً، أن يتقبّلوا أفكار الولد المخالفة لآرائهم ليستطيع تكوين آراء خاصة به وأن يناقشوه فيها. رابعاً وأخيراً، ولعلّها الفكرة الأهم وهي أن يساعد الأهل ولدهم على فهم الارتباط الوثيق بين الاستقلاليّة والمسؤوليّة، وإدراك العلاقة المستقبليّة بين السلطة والمساءلة. 
 
في الختام، هل نريد أن نربّي ولدنا على الاستقلاليّة الــ Autonomy أو على الاتّكاليّة الـ Dependence؟ أعتقد أنّه لا مفرّ من خيار الـ Autonomy. لكن لنُتقِن فعل ذلك لئلّا يصبح ولدنا، وتحت عنوان الاستقلاليّة الحقيقيّة، متفلِّتاً من كل ضابط لعقله ولسلوكه.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم