إعلان

بايدن لن يكون أوباما آخر في العراق

المصدر: النهار العربي
خيرالله خيرالله
خيرالله خيرالله
الرئيسان الأميركي المنتخب جو بايدن والسابق باراك أوباما
الرئيسان الأميركي المنتخب جو بايدن والسابق باراك أوباما
A+ A-
 ستكون إدارة جو بايدن في الأشهر الأولى من بداية عهده منشغلة بالوضع الداخلي الأميركي، خصوصاً بمعالجة الأضرار الناجمة عن وباء كورونا (كوفيد – 19) على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي. هناك مدينة مثل نيويورك، على سبيل المثال، فقدت كلّ المزايا التي كانت تتمتع بها في الماضي. "نيويورك لم تعد نيويورك"، على حد تعبير الذين زاروها أخيراً. صارت المدينة، التي كانت تعج بالحياة والتي لم يكن لها شبيه في العالم، أقرب الى مدينة ميتة بسبب "كوفيد – 19".
قد يكون مخطئاً من يظن أن الغربة الأميركية عن الشرق الأوسط والخليج ستستمر طويلاً بسبب انشغال إدارة بايدن بالداخل الأميركي وقضايا المناخ والتحدّي الصيني. عاجلاً أم آجلاً سيفرض الشرق الأوسط والخليج نفسيهما على أجندة الإدارة الجديدة، وذلك بدءاً بالعراق ذي الأهمّية الخاصة. هذا ليس عائداً الى موقعه الجغرافي، كونه صلة وصل بين الخليج والمشرق العربي فحسب، بل الى أنّ النظام الإيراني يلعب مستقبله في العراق أيضاً. ليس معروفاً بعد كيف سيتصرّف بايدن وفريقه في ظلّ الإصرار الإيراني على الاحتفاظ بالعراق بصفة كونه "ساحة" إيرانية لا أكثر.
لا يمكن تجاهل أن العراق كان نقطة الانطلاقة الجديدة للمشروع التوسّعي الإيراني، وذلك بعد لعبه دور المشارك الفعّال في الحرب الأميركية التي شنّها جورج بوش الابن عام 2003. كانت تلك الحرب، التي ليس معروفاً الى الآن لماذا قرّرت إدارة بوش الابن شنّها، بمثابة هديّة أميركية لإيران. قدّم الرئيس الأميركي، وقتذاك، العراق على صحن فضّة الى إيران وذلك بسبب حسابات خاطئة ربطت بين نظام صدّام حسين وحوادث الحادي عشر من ايلول – سبتمبر 2001. من أقنع بوش الابن بأن لصدّام علاقة ما بتنظيم "القاعدة"؟ من أقنعه بأنّ مجرد تغيير النظام في العراق سيجعل منه دولة ديموقراطية مثالية تشكّل نموذجاً يُحتذى في المنطقة؟ يبقى مثل هذا النوع من الأسئلة من دون أجوبة. الأمر الوحيد الأكيد أن "الجمهورية الإسلامية" الحاقدة على العراق وجدت فرصة للانتقام منه. لعب الدهاء الإيراني دوراً في استغلال الجهل الأميركي من جهة وجهل صدّام حسين، الذي لا حدود له في السياسة الدولية والإقليمية، من جهة أخرى.
سيكون العراق المكان الذي ستتحدى فيه إيران إدارة جو بايدن وإدارته. لا يمكن لإيران أن تتزحزح من العراق. المسألة مسألة حياة أو موت بالنسبة الى النظام فيها. يمكن العودة بالذاكرة الى أنّ النظام الذي أقامه آية الله الخميني بدأ معاركه الإقليمية بخوض حرب مع العراق استمرّت ثماني سنوات.
اكتشف جورج بوش الابن متأخراً أن الذهاب الى العراق لم يكن نزهة. جاء باراك أوباما ليستسلم كلّياً لإيران في العراق من منطلق أنّه وعد بسحب القوات الأميركية من هذا البلد. أمضى باراك أوباما ثماني سنوات في البيت الأبيض كان فيها جو بايدن نائباً للرئيس. لم يدرك أوباما، الإيراني الهوى، النتائج المترتبة على الرضوخ الأميركي للشروط الإيرانية في العراق، وهي شروط تشمل اختيار رئيس الوزراء العراقي. لعلّ أفضل دليل على ذلك موافقة إدارة أوباما على فرض إيران لنوري المالكي رئيساً للوزراء على الرغم من أن القائمة التي حلّت في الموقع الأوّل في الانتخابات التشريعية التي أجريت في آذار – مارس 2010، كانت القائمة التي يرأسها إياد علّاوي!
كان مفترضاً أن يكون علّاوي رئيساً للوزراء بموجب الأعراف والقوانين المتّبعة. لكنّ إيران ضربت عرض الحائط بكلّ الأعراف والقوانين العراقية المتبعة وفرضت المالكي رئيساً للوزراء، كونه رجلها في العراق!
كيف سيتصرّف جو بايدن في العراق؟ السؤال يطرح نفسه بقوّة، خصوصاً أن إيران ترفض خوض مفاوضات جديدة في شأن إعادة الحياة الى الاتفاق المتعلّق بملفّها النووي من موقع ضعف. ستسعى إيران الى إثبات أنّها ما زالت قويّة في العراق وأن على بايدن السير على خطى باراك أوباما.
هل جو بايدن نسخة عن باراك أوباما، أقلّه في العراق؟ هذا ما تأمل به "الجمهورية الإسلامية" التي لا تدري أنّ هناك ظروفاً كثيرة تغيّرت. في مقدّمة هذه الظروف انكشاف إيران أمام العالم بعد تصفية إدارة دونالد ترامب لقاسم سليماني قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" الإيراني بعيد مغادرته مطار بغداد في الثالث من كانون الثاني – يناير 2020. لم تستطع إيران الردّ على الرغم من أهمّية سليماني الذي يمكن وصفه بأنّه الرجل الثاني في "الجمهورية الإسلامية" بعد "المرشد" علي خامنئي. إضافة الى ذلك، تبيّن أن العراق لا يزال العراق وأن إيران لا تزال إيران. أحرق العراقيون القنصلية الإيرانية في النجف ثلاث مرات عام 2020. بقي الشيعة العرب في العراق عراقيين، في أكثريتهم الساحقة. فوق ذلك كلّه، هناك رئيس للوزراء في العراق اسمه مصطفى الكاظمي يسعى الى إعادة العراق الى خريطة المنطقة والى علاقات متوازنة مع إيران ومع المحيط العربي في الوقت ذاته.
أشهر قليلة ويتبيّن هل جو بايدن نسخة عن باراك أوباما في العراق أم سيكون مختلفاً؟ يستبعد أن يكون بايدن بمثابة أوباما آخر في العراق نظراً الى أنّ عليه أن يأخذ في الاعتبار ما حقّقه دونالد ترامب على أرض الواقع، بما في ذلك أنّ إيران ليست سوى نمر من ورق وأنّ العودة الى الاتفاق المتعلّق بالملف النووي الإيراني لعام 2015 لن تكون بشروط "الجمهورية الإسلامية"، بل في ظلّ معطيات مختلفة لا يمكن تجاهلها. بين هذه المعطيات، وجوب تغيير السلوك الإيراني خارج حدود "الجمهورية الإسلامية" ومسألة تطوير الصواريخ البالستية وكون موقع "الجمهورية الإسلاميّة" في العراق، وبين الشيعة تحديداً، تراجع الى حد كبير!
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم