إعلان

بعد اغتيال فخري زاده... إيران أمام خيارين صعبين

المصدر: النهار العربي
أسعد عبود
منشأة نووية ايرانية
منشأة نووية ايرانية
A+ A-
الأيام الفاصلة عن موعد دخول الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن إلى البيت الأبيض في 20 كانون الثاني (يناير) المقبل، تبقي الشرق الأوسط عموماً وإيران خصوصاً، في دائرة التوجس من احتمال إقدام الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب على توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية، أو توفير الغطاء لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للإقدام على مثل هذه الضربة. 
 
وأتى اغتيال العالم النووي الإيراني البارز محسن فخري زاده الجمعة، ليزيد من مخاوف اندلاع حرب شاملة في المنطقة، إذا أقدم النظام الإيراني على الرد، وفق التهديدات الصادرة عن أكثر من مسؤول إيراني. والوعيد الإيراني ينصبّ على إسرائيل وأميركا. ويبعث الأمر على الخشية من تحول أي رد إيراني حرباً تمتد إلى أكثر من بقعة في الشرق الأوسط. 
 
ووضع اغتيال فخري زادة، إيران أمام امتحان هو الأصعب منذ تصفية الولايات المتحدة قائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس قرب مطار بغداد أوائل العام الجاري. 
 
في حالة سليماني، كان الرد الإيراني المباشر شكلياً إلى حدٍ بعيد واقتصر على قصف بالصواريخ الباليستية لقاعدتي عين الأسد وأربيل اللتين ينتشر فيهما جنود أميركيون، من دون أن تقع خسائر في الأرواح، باستثناء ارتجاجات في الدماغ نتيجة انفجار الصواريخ. هذا النوع من الرد الإيراني، أمكن ترامب تجاهله وعدم الرد عليه.   
 
لكن في حالة فخري زاده، فإن طهران أمام خيارين كلاهما أمرّ من الآخر. فهي إن لم ترد مباشرة أو اكتفت برد شكلي لحفظ ماء الوجه فقط، فإن أميركا وإسرائيل ستستشعران ضعفاً لدى طهران، ويكون ذلك إيذاناً باستمرار مسلسل العمليات السرية والاستخبارية والسيبرانية على غرار ما تعرضت له منشأة نطنز النووية في أيار (مايو) ومن ثم هجمات طاولت الكثير من البنى التحتية الإيرانية العسكرية والمدنية على حد سواء. والخيار الثاني، أن تعمد إيران إلى رد عسكري واسع، سيترتّب عليه رد أميركي وإسرائيلي، وتنشب عندها المواجهة الشاملة التي يحذّر منها الجميع منذ سنوات، مع ما ستحمله من نتائج على الجغرافيا السياسية لدول المنطقة. فهل تتحمل إيران مع حلفائها حرباً بهذا الاتساع والشمولية؟
 
ليس هذا فحسب، بل إن الرد الإيراني الواسع من شأنه قطع الطريق على أي أمل بمعاودة المفاوضات الأميركية - الإيرانية بعد تسلّم بايدن مهام منصبه رسمياً. وإذا كانت طهران قد تحملت قساوة عقوبات "الضغط الأقصى" التي مارسها ترامب منذ انسحابه من الاتفاق النووي عام 2018، فإنما فعلت ذلك من قبيل الرهان على رحيل ترامب وعودة الديموقراطيين إلى البيت الأبيض هذا العام. وكان بايدن قد وعد خلال إطلالات عدة في حملته الرئاسية بالعودة إلى الاتفاق النووي إذا التزمت إيران تعهداتها وتراجعت عن الانتهاكات التي أقدمت عليها إثر انسحاب ترامب من الاتفاق. 
 
زد على ذلك، أن مواجهة عسكرية شاملة قد ينجم عنها ستاتيكو عسكري - سياسي مغاير لما هي عليه الحال الآن. والحرب الشاملة، إذا ما نشبت، لن تقتصر على استهداف البرنامج النووي الإيراني، بل ستطاول برنامجها الصاروخي ونفوذها الإقليمي، في بيئة استراتيجية متغيرة. 
 
وكل ما كان سيطرحه ترامب على طاولة المفاوضات مع إيران لو وافقت الأخيرة على الجلوس معه في العامين الماضيين، قد يكون هدفاً للضربات الأميركية والإسرائيلية إذا قررت طهران الذهاب إلى الحرب الشاملة. 
 
لعل هذه الحسابات الاستراتيجية، قد تحمل القيادة الإيرانية على ابتلاع كبريائها مجدداً، كما فعلت عند اغتيال سليماني وعند تخريب منشأة نطنز، وعدم الذهاب إلى المواجهة الشاملة، نظراً الى ما سيترتب عليها من خسائر على المدى البعيد، ربما تصل إلى حد زعزعة النظام نفسه، وتشجيع عناصر في الداخل على الانتفاض. 
 
ليس من مصلحة إيران، خوض غمار مواجهة بهذا الحجم، لكنها ستبقى توجه ضربات عبر حلفائها في العراق واليمن، مثلما حصل في الهجوم على شركة أرامكو في السعودية في أيلول (سبتمبر) 2019 أو عبر مسيرات وصورايخ يطلقها الحوثيون ضد أهداف في الداخل السعودي. وفي العراق، عبر إطلاق صليات من الصواريخ على السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء من بغداد أو على قواعد عسكرية لا يزال ينتشر فيها جنود أميركيون. وقد أخذ ترامب في الحسبان هذا الاحتمال عندما قرر خفض الوجود العسكري في كل من العراق وأفغانستان.   
وفي نهاية المطاف، قد تصبر إيران على خسائرها في حرب الاستنزاف التي تخوضها إسرائيل ضدها في الداخل الإيراني وفي سوريا، أملاً في تحقيق مكاسب من عودة بايدن إلى الاتفاق النووي.   
 
لكن إلى أن يتحقق ذلك، المنطقة كلها تسير على حبل مشدود وقد يحصل الانفجار الكبير نتيجة أي خطأ في الحسابات، وتنفتح أبواب الجحيم مجدداً في الشرق الأوسط. 
 
 
https://www.youtube.com/watch?v=jRbcy-fJHOo&feature=youtu.be
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم