إعلان

ماكرون... ومزيد من القراءات الخاطئة

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
الرئيس ايمانويل ماكرون (فرانس برس)
الرئيس ايمانويل ماكرون (فرانس برس)
A+ A-
التقط رجب طيب أردوغان "الخطأ الفرنسي"، الخطأ الذي كان واضحاً أن إيمانويل ماكرون سيرتكبه حين اندفع داخل المواجهة اليونانية - التركية في شرق المتوسط، وبعث بطائرات "رافال" الى المنطقة.
 
ربما قبل ذلك حين وصل الى بيروت بعد انفجار الميناء، وعقد اجتماعاته على قطعة حربية فرنسيه في بحر العاصمة اللبنانية وقبالة حطامها.
 
النبرة المتعالية التي تحدث بها الرئيس الفرنسي مع النخب السياسية الحاكمة في لبنان، والدور التربوي والوعود اليقينية التي قدمها للناس الذين تجمعوا حوله في منطقة الميناء وهم يطالبونه بالحماية، وتوظيف يأس الناس في لحظة الفاجعة والتربيت على ذهولهم، كان يمكن أن تمر، في الحقيقة كان يمكن تمرير كل شيء بما في ذلك تلك النبرة، وهي تعبر فوق أنقاض البيوت وبين جموع العائلات التي ما زال أبناؤها تحت أكوام الإسمنت. 
 
كان يمكن تجاوز الصيغة المتعالية المحملة بتاريخ "الحماية" والقادمة مباشرة من إعلان الجنرال غورو دولة لبنان الكبير. كان الناس على استعداد لتقبل ذلك، وتجاوز أفكار مثل "السيادة الوطنية" وإدارة الظهر لنظرية "عودة الاستعمار" بعد أن أغلقت الطبقة الحاكمة في لبنان اي امكان للتغيير من الداخل في بلد تتناوب على التحكم بمقدراته الطوائف وتحالفاتها الإقليمية، وواصلت تدوير الأزمة وإعادة انتاجها وتمرير الوقت، كان الألم عميقاً وكان هناك ما يشي بفقدان الأمل والإنهاك.
 
كان هناك الكثير من الشعبوية والافتتان بالذات في سلوك "المنقذ"،حمل زهوراً ووساماً فرنسياً لفيروز وحدد ثلاثة أشهر لعودته ومراجعة التزام الزعماء خطته.
 
كانت رسالة "الائتلاف الحاكم" بسيطة وواضحة للشارع اللبناني، الأشياء لن تتغير والمبادرة سيتم ترويضها كما جرى ترويض الاحتجاجات، ولو الى حين، وستتحول في حال فشلها، حمولة جديدة تعزز يأس الشارع وتؤبد الصيغة.
 
بطول نفس معتاد ومكر عميق وخبرة لم يحسب ماكرون حسابها تجري إعادة انتاج "المبادرة" وتدويرها بما يتلاءم مع "الصيغة"، الصيغة التي لم يقدّر ماكرون عمقها ونفوذها وقدرتها على المناورة، رغم أن الفكرة كانت استعادة الدور الفرنسي في لبنان المطل على سوريا والمتوسط، وتعزيز حضور ماكرون في فرنسا، حيث يتصيد اليسار واليمين هناك هفواته.
 
يواصل الرئيس الفرنسي مسيرة "القراءات الخاطئة" ويذهب هذه المرة أبعد من بيروت، وسيصل من دون تبصر الى مواجهة مع العالم الإسلامي، رغم أن الفكرة كانت التودد لليمين الفرنسي والحصول على قطعة من حصة "السيدة لوبان".
 
النبرة من جديد، وسوء التقدير والأداء الاستشراقي الذي طوي منذ عقود طويلة. 

لماذا يدخل رئيس دولة عظمى ذات مصالح مترامية في هذا الحقل ويفتح أبواب مواجهة مع العالم الإسلامي من دون تبصر، بمن فيه من ملايين من حملة الجنسية الفرنسية الذين يعيشون في الضواحي وأحزمة الفقر تحت الحد الأدنى من الحقوق، كأن يتحدث عن "أزمة الدين الإسلامي". هكذا كأستاذ جامعي يقرر حقيقة وجودية، ويقدمها كنظرية خاصة به بكل ما تحمله من العمومية والتعالي الاستشراقي.
 
كان هذا قبل جريمة قتل المدرس الفرنسي على يد الشاب الشيشاني.
 
 وقبل جريمة كنيسة نوتردام المروعة.
 
لا استطيع اعتبار أن استخدام المدرس الفرنسي القتيل نموذج حرية التعبير، رغم غرابته وطاقته الاستفزازية، غير المبررة، بخاصة في سياق تعليمي تربوي، هو الذي جعل من الشاب قاتلاً، ولكنه منحه سبباً لاستخدام سكينه التي يحملها منذ وقت طويل للدفاع عن "عقيدته ورموزها"، كانت السكين دائماً في جيبه وفي متناول يده، يد المراهق وقلبه المرتبك، وكان يتدرب على القتل، ويجوب الشوارع بحثاً عن ضحيته، قاتل مؤجل فضل "جنة الفقهاء" ووعدهم على الجنسية الفرنسية ووعودها.
 
وهذا ما ينطبق على جريمة نيس أيضاً ومنفذها.
 
يتبنى "الرئيس" الفرنسي مدفوعاً بخفة غريبة أفكار اليمين المتطرف، ويتخذ من نموذج الاستاذ القتيل وسيلة وغطاء، ولن يكتفي بدفاع عام عن حرية التعبير، ولكن سيدافع عن نشر وإعادة نشر "الرسوم المسيئة" للنبي محمد وربطها، بانتقائية شديدة ومقصودة، بتاريخ فرنسا ومنجزها الحضاري، وحشرمبادئ الحرية التي قدمتها فرنسا للإنسانية في هذا الشق الضيق من الجدل، وإخفاء الفشل الذريع وراء البلاغة الوطنية.
 
سيلتقط أردوغان "الخطأ الفرنسي" الذي وصل في توقيت ملائم تماماً، وسيصعد على سلم المواجهة مع فرنسا نحو مقاطعة البضائع الفرنسية واتهام ماكرون بأمراض عقلية، سيعيد تجميع صفوف حزبه الذي انهكته الانقسامات خلف قضية لا خلاف عليها، وسيتصدر حملة تشمل العالم الإسلامي الذي يسعى الى قيادته، سيمرر دعماً ونوعاً من "الشرعية"، هو بحاجة ماسة إليه، في الداخل وفي شرق المتوسط وحتى ناغورنو كراباخ. 
 
الفقه الجهادي الذي يعاني من انحسار نسبي نتيجة هزائمه وتفكك مؤسسته وتعبيراته التنظيمية سيجد حافة يتمسك بها، وسيعيد الاتصال الروحي بآلاف المتطوعين الفرادى، يحبون تسميتهم "ذئاب منفردة"، وهم على نحو ما نسخ متطابقة من الفتى الشيشاني في باريس، يتجولون بسكاكينهم في شوارع العالم بحثاً عن ضحاياهم، بعد أن حصلوا على الأسباب.

في فرنسا سيلتقط اليمين المتطرف الهدية، وسيواصل الضغط وتوسيع الثغرة متكئاً بقوة على أفكار "الرئيس"، وسيذهب أبعد عندما يقترح نوابه تعميم إعادة نشر الرسوم المسيئة في مواقع البرلمان الفرنسي، وهو الاقتراح الذي رفضته بقية الأحزاب من الوسط واليسار.
 
وستنهض أوروبا للدفاع عن فرنسا بينما يتنشق اليمين الفاشي، المعادي للمهاجرين والغرباء على أنواعهم، رائحة العنصرية في الشوارع ومطابخ البيوت.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم