إعلان

العائدون إلى أفغانستان

المصدر: النهار العربي
عمرو فاروق
دواعش في افغانستان
دواعش في افغانستان
A+ A-
ثلاثون عاماً هي المساحة الزمنية الفاصلة بين قضايا "العائدون من أفغانستان"، ودعوات "العائدون إلى أفغانستان"، ابتُليت خلالها المنطقة العربية ودول الشرق الأوسط بالكثير من التنظيمات المتطرفة التي استُنسخت من تجربة "الحرب الأفغانية"، ونفذت مئات العمليات الإرهابية المسلحة ضد المدنيين والعسكريين، وأشعلت الدمار والخراب إقليمياً ودولياً.
 
ما زال التاريخ يتجدد بتفاصيله وحوادثه، وما زالت القوى الاستعمارية الكبرى، أو "الجمعية السرية" التي تحكم العالم، تجد مبتاغها في تيارات الإسلام السياسي، وتضع ثقتها المطلقة في الجماعات الأصولية المسلحة، الملتصقة زوراً وبهتاناً بالدين والشريعة، تحت مشاريع عودة "دولة الخلافة". 
 
فها نحن على أعتاب مرحلة جديدة، يتم فيها إشهار "الإمارة الإسلامية" الوليدة، على يد حركة "طالبان"، التي أعيدت الى الحياة من العدم، وأزيح عنها الستار، كي تعلب دوراً محورياً في مشهد عبثي ملتهب، صنع على أعين الإدارة الأميركية، وأذرعها الإقليمية الراعية لجماعات الإرهاب والتطرف، وموّلت مؤسساتها وكياناتها تحت غطاءات متنوعة، ومنحتها ثقلاً سياسياً واقتصادياً، ومكّنتها من التشابك والالتصاق بالدوائر الاجتماعية والشعبية شرقاً وغرباً. 
 
نحن على أعتاب مرحلة اغتصاب فكري جديدة، يقف فيها الجميع متفرجاً ومنتظراً ومندهشاً من إبداعات المخرج العبقري الذي حاك تلك المشاهد في سواد الليل، عابثاً بمصير دول وشعوب، وإذاقتها من كأس التطرف، بتمخض وولادة المئات من أسامة بن لادن، وأيمن الظواهري، وأبو مصعب الزرقاوي، وأبو بكر البغدادي، وسيف العدل وغيرهم من رموز الإرهاب العالمي.

لم يكن التطرف والإرهاب الأفغاني مجرد حالة عارضة، لكنهما محطة هامة في تاريخ الجماعات الراديكالية، منذ ثمانينات القرن الماضي، والانتقال بها من العمل العشوائي إلى المنظومة المؤسسة، التي تجيد الفنون القتالية والوسائل الحديثة المتطورة، وتتمتع بالخبرات العسكرية والأمنية، وتحظى بإمكانات وموادر اقتصادية ضخمة. 
 
اعتماد الإدارة الأميركية ومراهنتها الدائمة على ورقة الإسلام الحركي في تنفيذ استراتيجيتها في التعامل مع خصومها وبناء تمركزات مسلحة، تدير الحرب بالوكالة، في ظل انتهاء مفهوم الحروب النظامية، يدفع بما لا يدع مجالاً للشك الى إعادة إحياء تنظيم "داعش" وتنظيم "القاعدة"، ومنحهما قبلة الحياة من جديد، بصناعة إمارة إسلامية في أحضان جبال تورا بورا.
 
فلا يمكن تجاهل تصريحات وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن، عن احتمالية عودة "القاعدة" و"داعش" الى المشهد من جديد في غضون عامين قادمين،  في إحدى جلسات الاستماع في الكونغرس، بمشاركة رئيس هيئة أركان القوات الأميركية المشتركة الجنرال مارك ميلي. 
 
الكثير من أنصار الجماعات الأصولية المسلحة، رفعوا شعار "عائدون إلى أفغانستان"، بهدف الالتحاق بركب "الحالة الجهادية"، سواء بالانضمام إلى ولاية "طالبان" الوليدة، أم  إلى فرع تنظيم "داعش" في خراسان، إذ استقبلت أفغانستان ما بين 8000 و10000 مسلح أجنبي، وافدين من سوريا والعراق وليبيا منذ حزيران (يونيو) الماضي، وفقاً لتقرير صادر عن الأمم المتحدة في تموز (يوليو) 2021.
 
تهيمن "طالبان" على كامل التراب الأفغاني، عدا مناطق نفوذ الجبهات التي تمثل المعارضة المسلحة، مثل وادي بنجشير الذي ما زال بعيداً عن سيطرة الحركة، وتتمركز فيه قوات تحالف الشمال بقيادة أحمد مسعود، ويقع بالقرب من الحدود الأفغانية الباكستانية، ويحاط بالجبال الشاهقة، وتبلغ مساحته  3610 كيلومترات مربعة، وعدد سكانه 173 ألف نسمة وينتمي غالبيتهم الى قومية الطاجيك.
 
تمثل "ولاية خراسان" الداعشية، العدو الأكثر خطورة بالنسبة الى حركة "طالبان"، التي أعلنت مسؤوليتها عن تفجير مطار كابول الأيام الماضية، وتضم بين صفوفها نحو 2000 مسلح، وفقاً لتقديرات رسمية أممية.
 
في ظل تمكن حركة "طالبان" من الحصول على الشرعية الدولية، وتمتعها بعلاقات سياسية مع دول الشرق الأوسط، سيتجه "داعش" لتحويل فرع "خراسان" إلى مرتكز حصين، وبؤرة نشطة تضم المئات من عناصره وخلاياه المشتتة بين الحدود السورية والعراقية، يستهدف من خلالها المصالح الغربية، ويعيق تحقيق حلم إمارة "طالبان" في كابول.
 
توتر الأوضاع في الداخل الأفغاني ربما يعيد سيناريو مشروع  إقامة "الدولة الداعشية"، بعد سقوطها في سوريا والعراق عام 2019، وتحويل أفغانستان بوابة تنظيمية وحركية يتم من خلالها استقطاب الأجيال الجديدة المتعاطفة مع مشاريع الإسلام الحركي، واستمالتهم فكرياً ومذهبياً عبر وسائل التكنولوجيا الحديثة، أو من خلال "سماسرة التجنيد" الذين ما زالوا يجوبون الدول العربية، ويتحصن بعضهم في الداخل الأوروبي، وينحصر دورهم في عمليات التجنيد والاستقطاب، وتسهيل سفر الشباب وترحيلهم إلى معسكرات القتال، وصناعة حملات الهجرة إلى "الدولة الإسلامية الوليدة"، مثلما حدث بين عامي 2011 و2015، في كل من سوريا والعراق.
 
تتمثل الإشكالية الكبرى لدى "طالبان"، وتخوفها من تنظيم "داعش" في خراسان، في أنه قام على أكتاف الكثير من قياداتها السابقين، الذين انشقوا عن صفوفها، وأعلنوا بيعتهم للتنظيم، ويتمتعون بخبرة عسكرية طويلة، وقدرة على قراءة طوبوغرافية الحركة وكياناتها. 
 
مبايعة عدد من قادة حركة "طالبان" فرع باكستان تحديداً، لتنظيم "داعش"، جاء بعد خلافات وصراعات داخلية، الى جانب تنفيذ الجيش الباكستاني عمليات عسكرية واسعة النطاق ضدهم في المناطق القبلية الشمالية الغربية، دفعتهم الى التمركز على  الحدود الشرقية لأفغانستان، أمثال شهيد الله شهيد ودولات خان وفتح جول زمان والمفتي حسن، والشيخ أمين الله البيشاوري.
 
في إطار الهمينة على الخريطة الجهادية وتعزيز وجوده في الدول الآسيوية وشبه القارة الهندية، سعى "داعش" خراسان، إلى استقطاب عدد من مقاتلي جماعة "جيش محمد" التي أسسها مسعود أزهر عام 1999، وتنشط بين باكستان وكشمير، وجماعة "عسكر طيبة"، الباكستانية المحسوبة على تيار السلفية الجهادية، والقريبة من تنظيم "القاعدة"، والتي أسسها في تسعينات القرن الماضي حافظ محمد سعيد، أستاذ الهندسة في جامعة البنجاب الباكستانية، على رأسهم أسلم فاروقي الملقب بعبد الله أوراكزاي، الذي تولى قيادة "ولاية خراسان" في ما بعد، وألقى القبض عليه الجيش الأفغاني، في نيسان (أبريل) 2020، عقب تفجير استهدف معبداً للهندوس في كابول، أسفر عن 25 قتيلاً في 25 آذار (مارس) 2020.
 
كما تمكن "داعش" خراسان، من ضم مقاتلين من طاجيكستان وأوزبكستان وقيرغيزستان وإندونيسيا وإيران وروسيا وجزر المالديف والهند، وفقاً لتقرير صادر عن مركز مكافحة الإرهاب التابع لـ"أكاديمية ويست بوينت"، في الولايات المتحدة.
 
منذ الإعلان عن "ولاية خراسان" الداعشية، في كانون الثاني (يناير) 2015، دخل مقاتلوها في اشتباكات دامية مع عناصر حركة "طالبان"، لا سيما في مقاطعات كونار وننغرهار ونورستان الشرقية، الى جانب تأسيسها خلايا نائمة في كابول، وتنفيذ الكثير من الهجمات الإرهابية ضد أقلية الهزارة الشيعية.
 
يعتمد "داعش" خراسان، على استراتيجية القيادة اللامركزية في إدارة شؤون "الخلايا العنقودية"، فضلاً عن أن العملية الأخيرة التي وقعت في عمق مطار كابول في 26 آب (أغسطس) الجاري، تمت بالمنهجية التنفيدية نفسها، كنوع من الاعتراص على الاتفاق السياسي الذي أبرمته الإدارة الأميركية مع حركة "طالبان"، وأسفر عن سقوط كابول في أيدي رجالاتها.
 
الهجوم المركب على مطار كابول، حققت منه "طالبان" الكثير من المكاسب غير المباشرة، في ظل تأكيد الكثير من التقارير الاستخبارية الأميركية والبريطانية إفراجها عن 5 آلاف سجين، بينهم إرهابيون من تنظيم "داعش"، وسجناء سابقون في غوانتانامو، قبل ساعات من تنفيذ الهجوم.
 
نالت "طالبان" من القوات الأميركية التي ما زالت متحصنة بمطار كابول، وتتباطأ في الخروج ضمن الاتفاقية المبرمة بين الطرفين، فضلاً عن توظيفها للحدث سياسياً، وتوصيل رسالة عملية للرأي العام الدولي، أنها البديل المناسب لترتيب المشهد الأفغاني بما يتلاءم مع السياسة الدولية، وأنها القادرة على تحجيم "داعش" والقضاء على خلاياه في حال تأييد موقفها ودعمه، ومنحها الشرعية.
 
يُعدّ فرع "ولاية خراسان" واحداً من أقوى فروع تنظيم "داعش"، الممتدة من شمال أفريقيا حتى جنوب شرقي آسيا، لما يتمتع به من قدرة على الانتشار والتمدد، بخاصة في المناطق القبلية الباكستانية وولاية "ننغرهار"، وبعض مناطق ولاية "كونر"؛ وتعد هجماته أكثر فتكاً، وفقاً لمدير السياسة والأبحاث في مجموعة صوفان للاستشارات الأمنية في واشنطن، كولين كلارك.
 
خرج تنظيم "داعش" خراسان، عن القاعدة الرئيسية التي اعتمدها في مخلتف فروعه من مواجهة "العدو القريب"، (الأنظمة المحلية وأجهزتها الأمنية)، إلى مواجهة "العدو البعيد"، متمثلاً في استهداف القوات الأميركية، بهجمات مختلفة على مدار السنوات الماضية، ودعا إلى ضرورة تكثيف تلك الهجمات، طبقاً لما جاء في العدد (89) من مجلة "البناء" الداعشية، في حزيران (يونيو) 2017، لا سيما أن القوات الأميركية ضربت معاقل التنظيم في نيسان 2017 بأقوى قنبلة أميركية غير نووية، وتُعرف بـ"أم القنابل"، ويبلغ ثمنها 16 مليون دولار، كما يبلغ وزنها 10000 كلغ، كما توعد قائد القوات الأميركية الأسبق في أفغانستان الجنرال جون نيكلسون، في آب (أغسطس) 2017، بإبادة تنظيم "داعش" في أفغانستان نهائياً.
 
العلاقة العدائية بين تنظيم "داعش" وحركة "طالبان"، وتنظيم "القاعدة"، يحكمها مباشرةً التنافس في السيطرة على زعامة الحالة الجهادية عالمياً، والمغالبة في الهمينة المطلقة على الساحة الجغرافية والانتصار لمنهجيتها الفكرية، وفرض مذهبها الإقصائي التكفيري على مخالفيها، ما يمثل انطلاقة حتمية لمعارك دامية منتظرة في العمق الأفغاني.
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم