إعلان

الجوار الأفغاني: ماذا بعد الانسحاب؟

المصدر: النهار العربي
علي حمادة
علي حمادة
بايدن يستقبل جثامين العسكريين الأميركيين ضحايا تفجير كابول. أ ف ب
بايدن يستقبل جثامين العسكريين الأميركيين ضحايا تفجير كابول. أ ف ب
A+ A-
قيل الكثير وكتب الكثير عن الانسحاب الأميركي الكارثي من أفغانستان، الذي حصل  ويحصل (حتى يوم غد) في ظل فوضى عارمة لا مثيل لها، ولم تعشه أميركا حتى خلال الانسحاب من فيتنام في عام 1975. قيل الكثير وكتب الكثير حول سوء إدارة عملية الانسحاب، وضعف إدارة الرئيس جو بايدن، وتضعضعها، فضلاً عن القصور الكبير الذي تميزت به قيادة بايدن شخصياً، ناهيك عن الفشل المتكرر في الظهور الإعلامي، بما طرح جدياً إشكالية الرئيس الضعيف، أو قل الرئيس الذي يفتقر الى القدرات القيادية اللازمة ليكون رئيس القوة العظمى الأولى في العالم. ولعل التفجيرات التي استهدفت محيط مطار كابول في عز عملية الانسحاب وأدت الى مقتل ثلاثة عشر جندياً اميركياً وأكثر من مئة مواطن أفغاني وجهت ضربة قاصمة لرئاسة الرئيس بادين، ولهيبة الولايات المتحدة تحت قيادته، نظراً لمسوؤليته كقائد أعلى عن أي خطأ أو خلل يحصل في ظل إدارة عملية دقيقة كالانسحاب الأميركي المتعجل.
 
أكثر من ذلك، قيل الكثير وكتب الكثير عن الأضرار الكبيرة التي لحقت بعلاقات الولايات المتحدة مع حلفائها الأوروبيين أو في حلف "الناتو"، الذين لم تتم استشارتهم أو التنسيق معهم عند بدء عملية الانسحاب، وتم إبقاؤهم خارج الصورة حتى مع توالي سقوط المدن الأفغانية بيد "حركة طالبان"، وصولاً الى سقوط العاصمة كابول وهروب الرئيس الأفغاني أشرف غاني مع بعض المقربين الى دولة الإمارات العربية المتحدة. مع هذا كله، ومع الأضرار الجسيمة التي لحقت بصورة الولايات المتحدة، وبالنظرة الى الإدارة الحالية التي يعتقد أنها من الناحية المعنوية قد لا تتمكن من النهوض من كبوتها خلال الأعوام الأربعة المقبلة، لا سيما أن الرئيس جو بايدن، وهو ثمانيني بدأ يظهر علامات مقلقة على مستوى قدراته القيادية، علماً أنه جرى تقديمه خلال الحملة الانتخابية ضد الرئيس السابق دونالد ترامب كشخصية تتفوق على منافسها على ثلاثة مستويات: الأول أنه إذا انتخب سيمثل عودة الكفاءة الى البيت الأبيض، والثاني أنه صاحب خبرة تكونت خلال أربعة عقود في السياسة الخارجية الأميركية وهو يمثل "عودة أميركا الى العالم"، والثالث أنه رجل متعاطف مع القضايا الإنسانية. في الانسحاب الكارثي من أفغانستان تعرضت عناصر القوة المفترضة في شخص الرئيس بايدن الى أضرار كبيرة في الرأي العام الأميركي، وفي الوسط الإعلامي الذي خاض معركته بشراسة لا مثيل لها، ولدى الحلفاء في الخارج. وأخيراً وليس أخراً، أدت الكارثة الأفغانية الى انتعاش خصوم أميركا عبر العالم، لأنها بثت فيهم شعوراً بأن أميركا ضعفت الى حد بعيد.
 
لن نطيل في الحديث عن الانسحاب، لكن لا بد الآن من التفكير في مرحلة ما بعد الانسحاب من أفغاستان والنتائج السريعة لما حصل، إقليمياً. فبالنسبة الى دول الجوار الأفغاني أن الانسحاب الأميركي يترك فراغاً استراتيجياً كبيراً، بعد عقدين من الزمن كانت هذه الدول تبني استراتيجياتها الإقليمية على قاعدة الوجود الأميركي في أفغانستان الذي كان يمثل عنصر ضبط كبيراً وحاسماً للعديد من التنظيمات المتطرفة، أو يمنع أن تتحول الأراضي الأفغانية الى معابر لمشكلات تتصل بالأمن الداخلي لهذه الدول. هكذا كان الحال مع دول المدى الحيوي الروسي الذي يتألف من الجمهوريات السوفياتية السابقة في آسيا الوسطى. وهكذا كان الحال مع الهند التي كانت ترى في حكومة الرئيس الأفغاني أشرف غاني حليفاً يساهم في حماية "ظهرها " في منطقة كشمير الحدودية من محاولات باكستان التسلل اليها لتهديد استقرار الاحتلال الهندي لنصف كشمير. اما الصين فقد كانت تتقاطع مع الولايات المتحدة المسيطرة على أفغانستان في اعتبار التنظيمات الإسلامية لمسلمي إثنية الإيغور في شينجيانغ إرهابية، مما منعها من استخدام الأراضي الأفغانية للقيام بأنشطة تعتبرها الصين عنصرَ تهديدٍ لأمنها واستقرارها. أما ايران بالرغم من عدائها المعلن للأميركيين فقد كانت تعتمد كسائر دول الجوار الأفغاني على الوجود الأميركي هناك كمصدر "استقرار" نسبي على حدودها الشرقية، كون هذا الواقع حمّل واشنطن مسوؤلية هذه الحدود، ومثل الموقف الأميركي – الإيراني في معاداة التنظمات السنيّة المصنفة متطرفة نقطة تقاطع بين أميركا في أفغانستان وإيران التي لطالما اعتبرت حدودها الشرقية مع باكستان وأفغانستان حدوداً يصعب الإمساك بها، وقد صنفت حدوداً "سيّالة" بمعنى أنها غير مضبوطة.
 
كان الوجود الأميركي طوال عشرين عاماً في أفغانستان يمثل حالة من "الستاتيكو" الذي أراح الإيرانيين بصرف النظر عن العلاقات الأميركية – الإيرانية التي شهدت تقلبات حادة في السنوات القليلة الماضية. وأما بالنسبة الى باكستان الدولة الجارة الراعية التاريخية لـ"حركة طالبان" فبالرغم من أنها كانت تشتكي من سياسة حكومة الرئيس أشرف غاني في كابول، ولكنها أيضاً وجدت في حالة "الستاتيكو" الاستراتيجي الذي أرساه الوجود الأميركي شيئاً من الاستقرار في حده الأدنى. وقد برعت باكستان في تنفيذ سياسة متعددة الأوجه اتسمت بتوسيع هوامش المناورة بين واشنطن، وبكين، وموسكو، مع استمرار العلاقة المميزة مع حركة "طالبان" في أفغانستان، بالرغم من حذرها الشديد تجاه "طالبان باكستان" أصحاب النزعة الانفصالية البشتونية كل ما تقدم يفيدنا بأن عقدين من الوجود الأميركي في أفغانستان كانا مفيدين لجميع دول الجوار، لا سيما للقوى الكبرى مثل الصين وروسيا، حيث تحملت واشنطن عنهما عبء المحافظة على استقرار أفغانستان، وحالة "الستاتيكو" في منطقة واسعة تجاوزت حدود أفغانستان وصولاً الى الهند جنوباً، والصين شرقاً، روسيا شمالاً، وإيران غرباً. اما اليوم فالوضع تغيّر، وبات عبء الحفاظ على "الستاتيكو" والاستقرار، والأمن على عاتق الدول المشار اليها، بعدما تحررت الولايات المتحدة من الأعباء تاركة خلفها هذا الفراغ الذي يفترض أن تقوم هذه الدول بتعبئته.
 
تعبئة الفراغ الاستراتيجي الذي تركه الأميركيون ليس بالأمر السهل، وقد استبقت دول الجوار بدءاً من روسيا والصين وايران التحولات من خلال إحياء علاقات مباشرة مع  حركة "طالبان" التي كان واضحاً أنها ستكون لها الغلبة في البلاد بعد مغادرة الأميركيين.
 
بالطبع كانت المفاجأة عندما استطاعت "طالبان" أن تبسط سيطرتها على البلاد كلها بما فيها العاصمة كابول في الثالث عشر من آب (أغسطس)، أي قبل سبعة عشر يوماً من الموعد الذي حدده الرئيس الأميركي جو بايدن لجلاء آخر جندي أميركي من أفغانستان. كانت كل التقديرات تشير في مطلع العام الحالي الى أن "طالبان" ستحتاج عدة أشهر لبسط سيطرتها على البلاد، وقد تحتاج الى التفاوض مع حكومة أشرف غاني لإقامة حكم مشترك، وحكومة انتقالية. وفي ما بعد تفاوتت التقديرات الاستخبارية الغربية حول موعد حسم "طالبان" للوضع بين بضعة أشهر، وأسابيع قليلة. وكانت المفاجأة، انهيار حكومة الرئيس أشرف غاني، بعدما انهار الجيش الأفغاني دفعة واحدة في أقل من عشرة أيام. هذا الأمر كانت دول الجوار احتاطت له، كل على حدة. فروسيا أقامت اتصالات سرية، ثم رسمية وعلنية مع "طالبان"، حيث زار وفد رسمي منها موسكو للقاء وزير الخارجية سيرعي لافروف في شهر تموز  (يوليو). هكذا حصل بالنسبة الى الصين وايران اللتين كثفتا التواصل مع "طالبان" لوضع أجندة لعلاقات مرحلة ما بعد استيلاء الحركة على أفغانستان، وذلك على الصعد الأمنية، والدبلوماسية، والاقتصادية. وقد أفلحت الصين التي استقبلت وفداً رسمياً كبيراً من الحركة نهاية شهر تموز (يوليو) الماضي، في وضع أسس لعلاقات اقتصادية مقبلة في أفغانستان تحت حكم "طالبان" في سياق مشروع "طريق الحرير" الذي تقوم به، وتصر على الحركة أن تمنع أي تحرك من نشطاء مسلمي الإيغور الذين تصنفهم إرهابيين. أما روسيا فقد أرست علاقات مقايضة أمنية مستقبلية مع "طالبان" بحيث تمنع الحركة أي تحركات من أراضيها تهدد أمن واستقرار الجمهوريات السوفياتية السابقة في آسيا الوسطى المجاورة في مقابل منع هذه الأخيرة أي تحركات من جماعات أفغانية تعمل من داخل حدودها لاستهداف حكم الحركة. وإيران التي استقبلت هي أيضاً وفداً رسمياً من "طالبان" في طهران، أعادت قبل أيام إحياء خط امدادات المحروقات بينها وبين أفغانستان، وتسعى الى تطوير علاقات تجارية في الأسواق الأفغانية. كل ذلك يجري تحت بند الضمانات الأمنية المتبادلة بين "طالبان" من جهة، ودول الجوار من جهة أخرى.
 
هكذا يرحل الأميركيون، وتجهد دول الجوار في إقامة ترتيبات مع "طالبان" في محاولة لإقامة "ستاتيكو" جديد يحل مكان "الستاتيكو" الأميركي الذي تطوى صفحته يوم غد الثلثاء. لكن "الستاتيكو" المنشود يحتاج الى الكثير من أجل أن يشكل قاعدة لاستقرار إقليمي لا يزال بعيدَ المنال.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم