إعلان

"قفزة اللهيان المذبوح" في قمة بغداد: "دون كيشوت" إيراني جديد.. وحائر

المصدر: النهار العربي
محمد السلطاني
الزعماء المشاركون في قمة بغداد.أف ب
الزعماء المشاركون في قمة بغداد.أف ب
A+ A-
سجل محور ولاية الفقيه المقاوِمة للاستكبار العالمي "انتصاراً جديداً" ـ من وجهة نظر "مقاومين" على الأقل! ـ حين قفز وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان من الموقع المخصص لوزراء الخارجية في الصف الثاني، ليدسّ نفسه في الصف الأول إلى جانب الرؤساء والملوك والأمراء، استعداداً لالتقاط صورة تذكارية في ختام مؤتمر قمة بغداد.

سرعان ما دبّ الارتباك في صفوف "الميديا الولائية"، فبلاد الوزير مدعوة إلى المؤتمر كشأن بقية دول المنطقة، وكان بإمكان طهران إرسال الرئيس إبراهيم رئيسي فيما لو كانت مهتمة إلى هذا الحد بظهور مسؤوليها "الحديثي المناصب" في الصفوف الأمامية للصور التذكارية.

وبينما تعامل الدبلوماسيون "الطبيعيون" كما تقتضي البروتوكولات، كوزيري الخارجية السعودي والتركي والأمين العام لجامعة الدول العربية، واهتدوا إلى الأماكن المخصصة لوقوفهم عن طريق قراءة أحرف بلدانهم المثبتة على أرضية المنصة، بدا "اللهيان" مشوّشاً وباحثاً عن تسجيل "مجد" من نوعية الأمجاد التي دأب المسؤولون الإيرانيون وأتباعهم على تأكيد تحقيقها منذ أربعة عقود.

قبل هذا الخطأ، تسبب ارتباك المسؤول الإيراني ذاته، بإطلاق رقم "صاروخي" لميزان التبادل التجاري بين العراق وإيران، حين قال إنه يصل إلى 300 مليار دولار، قبل أن يقرأ رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي تصحيحاً يعيد الميزان التجاري إلى حقيقته عند 13 مليار دولار.

وحاولت المنصات التابعة لإيران في العراق تمجيد "قفزة اللهيان الذي لم يرتضِ إلا الصف الأول"، لكن السخرية صبغت معظم تعليقات العراقيين، الذين لم تعد تستهويهم هذه "الدون كيشوتيات"، فلم ينسَ العراقيون بعد، التصرفات المشابهة التي كان يؤديها رموز النظام السابق في المحافل الدولية، كأن يقوم عزت الدوري ممثل رئيس النظام العراقي السابق صدام حسين، بإطلاق الشتائم داخل مؤتمر للقمة العربية، أو أن يظهر صدام  نفسه وهو يدخن السيجار أثناء انعقاد المؤتمر، وغيرها من "الانتصارات" التي انتهت بالعراق إلى ما هو عليه.

وبعيداً عن نظرات الاستهجان والاستغراب وربما الشفقة، التي أطلقها المسؤولون العرب والأجانب إزاء تصرف "اللهيان"، وما تسبب به لسمعة بلاده، بدا التصرف الإيراني وانعدام الرد العراقي انعكاساً لواقع الحال على الميدان، فكما تلتزم السلطات الرسمية العراقية الصمت عن سلوكيات وانتهاكات أتباع إيران في العراق، لم يتدخل مسؤولو البروتوكول العراقيون لإعادة "اللهيان" إلى مكانه الطبيعي، لكن مسؤولاً عراقياً حضر الاجتماع لَمَز "اللهيان" مفسراً سلوك الوزير الإيراني بأنه "حديث عهد بالمنصب، ولم يُتقن بعد أصول البروتوكول".

دوافع "عنترة" المسؤول الإيراني، وانفعاله تمسي أكثر وضوحاً بالنظر إلى أبعاد المؤتمر وكواليسه، ومعركة "كسر العظم" الجانبية التي خاضتها بغداد ضد طهران، حول "دعوة سوريا".

وحاولت طهران - عبر مقربيها - خلال الأسابيع الماضية، فرض الرئيس السوري ضيفاً على قمة بغداد، وغادر رئيس هيئة "الحشد الشعبي" فالح الفياض إلى دمشق، لتسليم الأسد رسالة، قبل أن تصدر الخارجية العراقية بياناً شديد الوضوح، تنفي فيه دعوة بشار الأسد إلى القمة.

من جانب آخر، تجسد قمة بغداد واحداً من أحلك كوابيس طهران، فإفلات العراق من الطوق الإيراني المُرهق، وانفتاحه على دول المنطقة والعالم، وبخاصة مع ما يمثله الحضور الفرنسي الرفيع متمثلاً بالرئيس إيمانويل ماكرون الذي ينشط في مزاحمة الإيرانيين، سيعني خطوة عراقية أخرى باتجاه تقليل الاعتماد على الجانب الإيراني، فالعراق المثالي إيرانياً، هو ذلك الذي يمكنه أن يورّد إلى إيران عشرات المليارات من الدولارات الأميركية سنوياً، أو حتى "300 مليار دولار!" كما في فلتة لسان الوزير "اللهيان".

من أعلى قصره، يراقب "الولي الفقيه" الإيراني ضجيجاً في بغداد، لكن المشهد "لا يبشّر بخير"، فقد انتقل العراق تدريجياً من "الوضع المثالي" حين لم يكن في بغداد أي ممثل دبلوماسي عن دول الخليج وبقية العرب، إلى أن تُفتَتَح السفارات، ثم يُنشأ مجلس تنسيقي أعلى بين العراق والسعودية، ثم يفتتح البلدان المعابر البرية. وسريعاً، أصبحت بغداد تستقبل رئيس الوزراء الإماراتي محمد بن راشد، في زيارة غير مسبوقة للبلد العربي الوحيد الذي يُمكن أن تستثمر فيه إيران مذهبياً، حيث "الأغلبية الشيعية" الوحيدة، وفي الوقت ذاته، حيث أُحرِقت القنصليات الإيرانية الثلاث، غضباً من إصرار حلفاء إيران على حشر مستقبل العراق في ممر ضيق ليس بدايته ونهايته إلا خيارات إيران. فالعراق منذ عام 2012 ـ على الأقل ـ هو التجربة الإيرانية الأوضح فشلاً، والعقلية الإيرانية المُشبعة بنظريات المؤامرة، لا تنفكّ عن تحسس ملامح "حلف" في بغداد يوشك أن يولد، سواء من بين ثنايا مؤتمر "الشراكة والتعاون"، أو من الاجتماعات المكثفة بين العراق ومصر والأردن، أو الزيارات والاستقبالات الفخمة للمسؤولين العراقيين في الرياض وأبو ظبي وعمّان والقاهرة وأنقرة.

وعلاوةً على الشؤون الاعتبارية للقمة، تقول المصادر الحكومية، إن العراق عرض مسودة مشروع استراتيجي كبير على الدول المشاركة في قمة بغداد، عماده "ملفا الطاقة والنقل" يتحول بموجبه العراق إلى ممرر للطاقة الكهربائية عن طريق الربط مع مصر والأردن والخليج، إلى جانب توسيع فكرة "القناة الجافة" التي يُفترض أن تربط الخليج العربي بتركيا عبر العراق، وتطويرها إلى شبكة سكك حديدية وطرق حديثة تنطلق من مصر والأردن ولبنان ودول الخليج وإيران وآسيا، وصولاً إلى تركيا ثم أوروبا باستثمار استطالة الخريطة العراقية وإشرافها على نقاط ستراتيجية عدة.

ويدرك صانع القرار الإيراني أن معادلة القوى التي ظهرت في قمة بغداد، إذا ما كُتب لها التقدم والتفعيل، ستعني أن طهران لن تتمكن من الاستفراد بالعراق كما مضى، حتى مع "مبادرة حسن النية" التي أطلقها العراق بدعوة إيران للمؤتمر، وبالنظر إلى جملة المعطيات التي كرّسها مؤتمر بغداد، سيكون رئيس الدبلوماسية الإيراني "معذوراً" إذا ما "نفّس" عن ارتباك بلاده وصعوبة موقفها بقفزة امتدت 10 ثوانٍ إلى الصدارة، قابلها المجتمعون بالتجاهل، لأن كل مَن كان يقف على منصة بغداد، يعرف أنها "قفزة مذبوح" لن تنجح بعكس اتجاه عقارب الساعة.
إنها "قفزة" تعرّي أساطير الدعاية الإيرانية حول "الدبلوماسية الهادئة" التي انتقلت، تحت ضغط بغداد وضيوفها، من دبلوماسية حياكة السجاد إلى دبلوماسية القفز عبر المنصات!
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم