إعلان

تونس... الحنين للزّعيم

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
بورقيبة وبن علي
بورقيبة وبن علي
A+ A-
وصلت حركة "النهضة" متأخرة الى "نهج الحبيب بورقيبة" في ثورة عام 2011، انتظرت  الى أن اتضح انتصار الثورة، حدث هذا في ثورة "25 يناير" المصرية أيضاً، ولما تأكدت من ذلك قفز دعاتها مباشرة الى المنصات المنصوبة في مختلف مناطق البلاد، ووصل منشور من رئيسها راشد الغنوشي يعلن عودته الى بلاده الحبيبة كمواطن عادي لا رغبة له بالترشح أو القيادة، لم تفتح ملفات خصوماتها مع قانون الأحوال المدنية ومدوّنة الحقوق ومدنية الدولة، طرحت نفسها في منطقة الاعتدال الإسلامي الذي مهّدته لها أدبيات راشد الغنوشي، ولتأكيد ذلك الاعتدال كان عليها أن تغذي السلفية المتطرفة من جهة، وأن تدفع "الوسطية" أكثر نحو اليمين، وسيترشح الغنوشي الى كل المناصب الممكنة في ما بعد، وآخرها منصب رئيس البرلمان الذي جُمّد الأسبوع الماضي.
 
في الذكرى الأولى للثورة، تدفق التونسيون والتونسيات على طريق الساحل نحو "المونستير"، في مسيرة شكر وحنين لمؤسس دولتهم الحديثة، "الزعيم" كما أحب أن ينادى، الحبيب بورقيبة. يمكن الحديث طويلاً عن بطريركية الرجل، وسيوفر العقد الأخير من حكمه مادة غنية لتفاقم هذه الأبوية وذهول الرجل الثمانيني، ولكن لا يمكن القفز على حقيقة "المؤسس" والأفق الحداثي الذي سلكه نحو بناء دولة عربية مدنية في الشمال الأفريقي، وبينما كانت الشعارات السياسية وبلاغة القوميين تغلّف الدولة الوطنية الى الشرق من تونس، كان المحامي التونسي الدؤوب يقرأ قوانين الأحوال المدنية ويضع خطوطاً تحت بنود حرية المرأة ومنع تعدد الزوجات ومجانية التعليم وحياد الجيش عن الشأن الداخلي.
 
لم تكن 23 سنة من حكم  بن علي كافية لتحطيم الأسس المتينة التي حصّنت المجتمع التونسي، تم العبث بالفناء والأسيجة وهيكلية الدولة، وجرى إفساد الوظيفة العمومية وهلهلة الحزب الدستوري، ولكن النواة الصلبة حيث تتحصن القوانين والحقوق بقيت سليمة. وهو ما سعت "ثورة الياسمين"، كما يحب أغلب التونسيين تسميتها، الى استعادته وتخليص المكتسبات العميقة من فساد نخبة بن علي والملتفّين حوله، في النصف الثاني من فترة حكمه على وجه الخصوص.
 
حاولت "النهضة" أن تبني على ذلك الخراب واستكمال مهمة بن علي التي لم تكن واضحة، ولكنها اتكأت على إرث بورقيبة في الأزمات، الخراب الذي أنتجته حقبة بن علي كان البنية التحتية لبرنامج "النهضة" القائم على هدم بورقيبة، كان ضرورياً لتوفير أرضية لبناء مشروعها الذي استبدل، بالفساد المحمول على الشعار العلماني، فساداً مغلفاً بالدعاء الديني، هذا هو بالضبط تناقضها مع الشارع التونسي ومع الثورة التونسية التي كانت أهدافها، غير المكتوبة، هي استعادة الهوية المدنية للدولة ومحاربة الفساد.
 
لم يكن الصراع في تونس يوماً بعيداً عن منجزات التأسيس.
خلال عشر سنوات استنزفت "حركة النهضة" في الشارع التونسي الذي دافع عن مكتسبات حقبة التأسيس، واستنزفت في السلطة وفشل إدارتها للشأن العام  وتناقض برامجها مع البنية القانونية للدولة، واستنزفت في داخلها عندما بدأت تتفكك أطرافها ويتمركز القرار بيد جناح الغنوشي نفسه، سقط غطاء المرزوقي الذي منحها غطاء الاستقلال عن حركة جماعة "الإخوان المسلمين" خلال حكم "الترويكا"، استنفدت الوقود اليساري الذي تغذت عليه لسنوات طويلة، وتُركت تنزف على المنصة وتخسر أقنعتها الكثيرة. الآن هي وحيدة ومعزولة بلا أقنعة أمام أخطائها، وتعاليها على منجز الشعب التونسي واعتراضها المَرضي على مكتسبات عهد التأسيس البورقيبي.
 
خلال سنوات معارضتها بن علي، كانت "النهضة" تعترض على ما تبقى من إرث بورقيبة، كانت المواجهة دائماً مع بورقيبة وليس مع بن علي الذي منحها سلّم الصعود على أكتاف الثورة، لقد نجحت في مرحلة مبكرة في الجمع بين استثمار الاعتراض الشعبي على بن علي واستخدام اليسار في الاستيلاء على السلطة وتوظيف "السلفية" لترهيب المجتمع، ولكن الاحتفاظ بالسلطة كان أكثر صعوبة من الوصول اليها، كما اتّضح خلال الأسبوع الماضي.
 
حركة الرئيس التونسي قيس سعيّد ليست تأسيسية وفيها شبهة الاجتهاد خارج نصوص الدستور، ولكنها استفادت من التوقيت وحالة البلاد، وأخطاء "النهضة" المتفاقمة، ومزاج الشارع الذي سئم مناكفات الإخوان المسلمين، والفساد والعنف الذي تغذيه الجماعة عبر تسلطها على مقدرات البلاد.
 
لذلك، ربما، لم تتدفق الجماهير للدفاع عن "النهضة"، رغم النداءات، تحت شعار الدفاع عن الدستور والحرية، ورغم الوقفة الاستجدائية لراشد الغنوشي أمام بوابة البرلمان.
 
هذا العزوف الشعبي هو هزيمة "النهضة" وصدمتها الحقيقية وليس الجدل الفقهي حول المادة 80 من الدستور.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم