إعلان

حوار بعيد عن واشنطن وبكين

المصدر: النهار العربي
سميح صعب
سميح صعب
شيرمان ووانغ يي
شيرمان ووانغ يي
A+ A-
لم تكد نائبة وزير الخارجية الأميركي ويندي شيرمان تغادر مدينة تيانجين الصينية بعد مباحثات متوترة مع وزير الخارجية الصيني وانغ يي، حتى كان وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن يبدأ جولة في جنوب شرقي آسيا، سعياً إلى حشد الحلفاء في مواجهة العملاق الصيني، بينما بدأ وزير الخارجية أنطوني بلينكن زيارة للهند. 
 
يمكن القول إن حصيلة زياة شيرمان للصين لم تكن أفضل من جولة الحوار الأميركي - الصيني في مدينة أنكوراج في ولاية ألاسكا في آذار (مارس) بين بلينكن ومستشار الأمن القومي جيك سوليفان، في مقابل وانغ يي وأرفع مسؤول في الحزب الشيوعي الصيني يانغ جيه تشي. ولم تكن المحادثة الهاتفية بين بلينكن ووانغ أقل توتراً في حزيران (يونيو) الماضي. وكانت غاية البيت الأبيض من إجراء الحوار في ألاسكا وليس في واشنطن، توجيه رسالة ذات مغزى الى الجانب الصيني.
في هذه المحادثات، تقف الولايات المتحدة والصين على طرفي نقيض، وتفصل بينهما مساحات واسعة من القضايا، التي تبدأ من بحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي إلى هونغ كونغ وشينجيانغ وأصل فيروس كورونا. 
 
 
 
كل ذلك يخفي تنافساً تجارياً شرساً بين أقوى قوتين اقتصاديتين في العالم. وربما القاسم الوحيد المشترك بين الرئيس الأميركي جو بايدن وسلفه الجمهوري، هو العداء للصين، ومحاولة احتوائها، والحؤول دون صعودها إلى المركز الاقتصادي الأول في العالم وإحراز نفوذ سياسي معادل.   
 
ولم تتح لشيرمان زيارة بكين بداعي الإجراءات التي تتخذها الصين لمكافحة كورونا. لكن لا يختلف اثنان على رمزية عدم استقبال أرفع مسؤولة أميركية تزور الصين خارج العاصمة. إنها رد على إجراء الحوار في انكوراج لا في واشنطن.
 
والتوتر الأميركي - الصيني حجب أو كاد، ذكرى مرور خمسين عاماً على الزيارة السرية التي قام بها هنري كيسنجر مستشار الأمن القومي في ظل عهد الرئيس الراحل ريتشارد نيكسون للصين، والتي تلتها في العام التالي زيارة نيكسون نفسه لبكين. كانت تلك فاتحة لتطبيع العلاقات الأميركية - الصينية وبدء شراكة استراتيجية بين البلدين، وكان لها الأثر في تغيير مسار التاريخ في القرن العشرين. ويعترف المؤرخون الأميركيون بأن الشراكة مع الصين، كانت من بين أسباب فوز الولايات المتحدة بالحرب الباردة ضد الاتحاد السوفياتي.   
 
ومما لا شك فيه أن انفتاح أميركا على الصين، ساهم في الإصلاحات الاقتصادية التي تبنتها الصين بعد وفاة ماو تسي تونغ. وهذه الإصلاحات التي وضع أسسها دنغ شياو بينغ كانت قمينة بجعل الصين تحوز اليوم مرتبة ثاني اقتصاد في العالم، لا بل وتنافس على الصدارة.   
وأخشى ما تخشاه أميركا، هو أن تترجم الصين قوتها الاقتصادية إلى قوة عسكرية وتفرض هيمنة إقليمية على المحيط الهادئ، بما يخلق وضعاً جيوسياسياً جديداً في المنطقة للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية.   
 
وتتهم واشنطن الرئيس الصيني شي جينبينغ بأن لديه ميولاً عسكرية، وذلك من خلال زيادة الموازنة الدفاعية للصين والعمل بدأب على بناء قوة عسكرية بحرية تعتمد على حاملات الطائرات، فضلاً عن الجزر الاصطناعية التي تقيمها بكين في المحيط الهادئ لأغراض عسكرية. كما أن البرنامج الفضائي الصيني المتسارع يثير بدوره قلق أميركا ويجعلها في توجس دائم من المفاجآت التي يمكن أن يخبئها التنين الصيني.
 
وبقدر قلقها من زيادة القدرات العسكرية الصينية، تخشى واشنطن أيضاً من مبادرة "الحزام والطريق" الاقتصادية التي تشمل عشرات الدول في العالم. وكان بايدن قد حذر أمام مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى في لندن في حزيران (يونيو) الماضي، من خطورة هذه المبادرة، داعياً الغرب إلى تبني سياسة اقتصادية مضادة، بهدف محاصرة النفوذ الصيني.
 
بعد خمسين عاماً، تسعى أميركا جاهدة إلى احتواء العملاق الاقتصادي الذي ساهمت في صنعه. وها هي تطوّق الصين بالأحلاف والتكتلات. وبينما كانت شيرمان في الصين، كان لويد أوستن في سنغافورة يحذر من مخاطر سياسة بكين في بحر الصين الجنوبي، بينما يسعى بلينكن في الهند وراء الهدف نفسه، علّ وعسى أن ينجح العملاق الآسيوي الآخر في كبح جماح الجار الصيني.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم