إعلان

الإرث الطائفي هزم العراقيين في اللحظة الأخيرة

المصدر: النهار العربي
فاروق يوسف
فاروق يوسف
مقتدى الصدر ومجموعة النواب الصدريين المستقيلين.
مقتدى الصدر ومجموعة النواب الصدريين المستقيلين.
A+ A-
لم تُسقط الأزمات المتلاحقة النظام السياسي في العراق، ليس لأنه قوي أو متماسك من الداخل، بل لأنه نظام أزمة. تركيبته الطائفية لا تسمح بالانسجام بين مكوناته تبعاً لتضارب المصالح في ظل احتكار الأحزاب التمثيل الطائفي الذي يضع الإرادة الشعبية على الرف حين يتعلق الأمر بتصريف الشأن العام.
 
ولأن الأحزاب من غير استثناء لا تملك مشروعاً سياسياً وطنياً، فإن ما يجمعها في لحظة شعورها بالخطر قد يدخلها في نفق جديد، وهو ما حدث حين تخلى التيار الصدري عن استحقاقه الانتخابي في سابقة قد تؤدي إلى انهيار النظام ما لم تسارع الأحزاب إلى إحداث تغيير في عدد من فقرات الدستور. فالخيانة المبيتة التي انطوت عليها عملية ترحيل الأصوات لا يمكن فرضها إلا من طريق قانون، يُضاف إلى مجموعة القوانين التي تحافظ على البعد الطائفي للنظام بحيث يرث حزب حزباً آخر من طائفته. ذلك ما لم يكن كاتب الدستور قد تخيل وقوعه حين وزع الشعب العراقي بين المكونات، في محاولة منه لخلق بيئة شعبية تساعد في الإبقاء على النظام في محيطه الطائفي واستمراره.
 
ولأن الأزمة التي يمر بها النظام ليست مسبوقة مقارنة بالأزمات التي نتجت من الانتخابات السابقة، فإن الحل لن يأتي من طريق التراضي في مجلس النواب أو بقرار من المحكمة الاتحادية. فالكتلة النيابية الأكبر تخلت عن حقها. وهو أمر لا يمكن القبول به أو توقع حصوله على المستوى السياسي. وبدلاً من أن يذهب الخاسرون إلى المعارضة هم اليوم في طريقهم إلى أن يعيدوا ترتيب أوراقهم ليقوموا بتشكيل حكومة، يعرفون أنها ستسقط بعد فترة وجيزة بسبب احتجاجات شعبية ستمتص الجانب الأكبر من الغضب المتراكم لدى الشباب الذين صاروا على بيّنة اليوم من أن تغييراً ينبعث من داخل النظام هو أمر مستحيل. فأي تغيير من ذلك النوع معناه انهيار النظام. وما انسحاب المنتصرين أمام المهزومين في الانتخابات إلا نوع من إعادة انتاج النظام بعدما كان على وشك الانهيار. لا تقع الأزمة الحقيقية في العلاقة المرتبكة أصلاً بين الأحزاب الشيعيّة، بل في التأسيس لعهد طائفي جديد، تكون فيه الأحزاب قادرة على تزوير الانتخابات وسرقة أصوات الناخبين بطريقة يسمح بها الدستور.
 
من طريق تلك التوليفة القانونية سيتمكن النظام من استعادة قوته التي فقد الجزء الأكبر منها بتأثير الاحتجاجات الشعبية نهاية عام 2019 وما تلاها من هزائم على مستوى الفشل في تعيين رئيس وزراء حزبي. وإذا ما كان رئيس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي مؤهلاً أكثر من سواه للاستمرار، فليس ذلك إلا من أجل أن يكون الضحية الأولى في ميدان تجريب صراع القوى التجريبي المتوقع.
 
ليس مهماً في المرحلة المقبلة أن تكون الحكومة في مهب ريح الاحتجاجات. ما هو مهم أن يكون هناك واقع برلماني لا يُمس وهو الأساس الذي يستند إليه بقاء النظام لأربع سنوات مقبلة. وهي سنوات ستكون عجافاً بغض النظر عما يمكن أن تحققه الاحتجاجات الشعبية على مستوى إسقاط الحكومات المتتالية. يومئذ يكون النظام قد تخلص من أزمته لتكون مجرد أزمة حكم، وهو ما سيكون شبيهاً بالحالة اللبنانية. ستكون الحكومة في الواجهة، أما النظام، فإنه سيظل في مكانه آمناً لا تمسه كوارثه. على سبيل المثال، فإن الأحزاب ستحتفظ بوزاراتها في سياق المحاصصة الطائفية ويستمر الفساد في دورته الطبيعية من غير أن يؤثر فيه سقوط حكومة أو بقاؤها لتصريف الأعمال.
 
تلك لعبة ستتم حياكة خيوطها دستورياً في العراق، بحيث تبدو الميليشيات مضطرة إلى أن تضع ممثليها في مقاعد شاغرة في مجلس النواب ويكون عليها بالضرورة أن تسمح لمعارضيها في الأحزاب الشيعية أن يحتفظوا بحصتهم في التركيبة الوزارية بحيث لا يقع أي نوع من تضارب المصالح. وهو ما يعني تجاوز العقدة التي سببتها انتخابات عام 2021 التي تمثلت بهزيمة طرف شيعي لحساب طرف شيعي آخر، ظهر أنه لم يكن راغباً في أن يخرج الحكم من البيت الشيعي. وهو ما يلخص التضحية التي قدمها مقتدى الصدر وهو يتخلى عن الحكم لخصومه. لقد ضحى بالعراق من أجل الطائفة. وهو ما سيكون محل تقدير بالنسبة إلى أولئك الخصوم.
 
لقد حُلت مشكلة الأحزاب وتم القفز على الحرب الشيعية - الشيعية التي تم تأجيل التهديد بوقوعها إلى مناسبة أخرى. المشكلة اليوم هي مشكلة شعب حائر سيضنيه التلفت ما بين انتخابات، تصوّر أنها ستكون بداية لتأثير أصواته في التقليل من ضغط النظام الطائفي على العملية السياسية، وبين هزيمة أمنياته أمام عملية التوارث التي مارستها الأحزاب وهي تعيد إلى النظام تماسكه وصلابته من غير أن يقع تدخل إيراني مباشر. وهو ما يعني أن الولاء الطائفي انتصر بشكل جلي على ما سُمي بالدعوة إلى الغالبية الوطنية وهي كذبة تمكن أصحابها من حصاد الكثير من الأصوات النزيهة التي ذهبت في النهاية إلى الفاسدين لتمكنهم من الاستمرار في إدارة دولتهم الخفية في ظل شرعية مغتصبة، ما يتطلب تعديلاً دستورياً هو ما ستسعى الأحزاب إلى إنجازه في وقت قياسي.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم