إعلان

الرمّان والعملة الرقمية... وجهان لهلوسة واحدة

المصدر: النهار العربي
د.مكرم رباح
د.مكرم رباح
الكبتاغون في الرمان
الكبتاغون في الرمان
A+ A-
كان جدي يتلو لي من وقت الى آخر فوائد الرمَان وأهميته في حياة الإنسان سارداً لي رواية ضعف الفارس أمام هذه الفاكهة التي تجبره على الترجل عن جواده والتقاط حباتها "الجواهر" إذا ما مرّ بها. وقدماء اليونان كانوا أيضاً يؤمنون بأن الرمّان فاكهة مقدّسة. فهي عرفت آنذاك بـ "فاكهة الموتى" التي تشكلت من دماء الإله الفينيقي أدونيس وعشيقته أفروديت لتخلد ذكراهما.

رواية جدي رحمه الله عادت إلى ذاكرتي وأنا أتابع فضيحة الرمّان وحبوب الكبتاغون التي ضبطتها السلطات السعودية أخيراً في جريمة نكراء اتخذ على أثرها قرار بحظر استيراد الفواكه والخضر اللبنانية ومنع مرورها في الأراضي السعودية. القرار، وإن كان محقاً، شكل صفعة إضافية للاقتصاد اللبناني وحرم لبنان من ملايين الدولارات التي تنعش القطاع الزراعي المأزوم أصلاً.

صناعة الكبتاغون وتهريبه اللذان ارتبطا بميليشيا "حزب الله" والنظام السوري يعَدّان من الموارد الأساسية التي اعتمد عليها محور "المقاومة" مع انطلاق الثورة السورية، إما لضخ الأموال أو لإغراق البلدان الخليجية بالمخدرات. فـ"حزب الله" الذي لا ينفك ينفي هذه التهمة عنه هو من يؤمن الغطاء والحماية لتجار المخدرات - من بينهم ملك ملوك الكبتاغون حسن دقو - المنتشرين شرق البلاد وفي البلدات الحدودية مع سوريا وهو من يسمح لهم بالولوج الى الطرقات العسكرية التي يدعي أنه يستعملها في نشاطه المقاوم. فقرى كثيرة كالطفيل مثلاً أصبحت شبيهة بمدينة ميديلين، ثاني أكبر مدن كولومبيا الواقعة تحت سيطرة بابلو اسكوبار وقادة القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك) المشابهة للنسخة الإيرانية - "حزب الله" -  التي دمرت ما تبقى من مفهوم الدولة.

رد فعل اللبنانيين لم يرتقِ إلى حجم الجريمة المستمرة التي سمحت لـ"حزب الله" وجهاده الزراعي بتحويل لبنان من مرفأ لربط الشرق والغرب  ومصدّر للأدمغة والخبرات الى بؤرة موبوءة ومرفأ للقراصنة. تهريب ملايين الحبوب المخدرة داخل المنتجات الزراعية ليس من قبيل الصدفة، ولا سيما في هذا التوقيت بالذات. فهذه الحركة الوقحة والمجرمة من شأنها استدراج مثل هذا الرد العربي بالحظر، ما يجعل من مزارعي لبنان، لا سيما الشيعة منهم رهائن أكثر رضوخاً لجهادهم الزراعي.

للحقيقة، رضوخ اللبنانيين لفضيحة الرمان المخدر وجبنهم لا يختلفان كثيراً عن اتجاه الكثيرين منهم إلى التداول بالعملة الرقمية (Cryptocurrency) لجني الثروات بدل النضال في سبيل إصلاح النظام المصرفي اللبناني والانتقال من الشعوذات الاقتصادية لحاكم مصرف لبنان الحالي نحو اقتصاد عصري وعادل. وهوس بعض اللبنانيين بالمقامرة بالعملة الرقمية نابع من إيمانهم بأنهم أذكى من البشر أو كما يقال بالعامية "حرابيق"، وأن المال هو من الأشياء التي لا تحتاج إلى مجهود لتوفيرها، وإن لم تؤمن فإن أصدقاءنا العرب لن يبخلوا عليهم بالمال.

العملة الرقمية قد تكون من الاتجاهات الجديدة في التداول المالي وقد تمكّن البشرية مستقبلاً من كسر احتكار المصارف. لكن في الوضع الحالي للبنان، لا يمكن لأي شكل من أشكال الاقتصاد الرقمي وحتى الفعلي النهوض بهذا البلد في ظل وجود تجار الرمان المخدر  وميليشياتهم المسلحة التي تعطي القدسية المزعومة لعملهم الإجرامي. والخمسة ملايين حبة كبتاغون التي  حاول "المجاهدون" تصديرها إلى السعودية لو بقيت في لبنان ووزعت على الشعب اللبناني واللاجئين السوريين والفلسطينيين أيضاً، لكانت كافية لإفاقتهم جميعاً من سباتهم العميق وانتشال لبنان من الموت السريري ليعود إلى مواجهة التحديات الحقيقية وتفادي المشاكل السياسية والاقتصادية بدل البحث عن الهجرة ومقارعة تجار الرمان على طريق تحرير القدس ثم استعادة اقتصادهم من تجار الهيكل بربطات عنق فارهة.

عندها فقط قد نستطيع أن نتجه نحو العملة الرقمية أو زراعة القنب الهندي أو الزعفران، وبدل أن نصدّر رمّانات السيد "دقو" ونوح زعيتر نعود إلى تصدير الخامات من مصاف العالم حسن كامل الصباح والسيد هاني فحص والشهيد لقمان سليم ليعود لبنان قبلة اهتمام العالم... و"دقو" على الخشب.
الكلمات الدالة