إعلان

أزمة العلاقات المغربية الإسبانية... هل يكون الثمن "غالي"؟

المصدر: النهار العربي
عادل بن حمزة
عادل بن حمزة
ابراهيم غاليي
ابراهيم غاليي
A+ A-
من السابق لأوانه الحديث عن نتائج الفصل الجديد من الأزمة الممتدة بين الرباط ومدريد والتي تتخذ اليوم عنوانا جديدا لها، اللجوء الإنساني المثير لإبراهيم غالي زعيم جبهة البوليساريو الإنفصالية الى إسبانيا بعد إصابته بفيروس كورونا. في التفاصيل نجد أن ألمانيا رفضت استقبال غالي حتى لا تزيد علاقاتها بالرباط توترا، في المقابل رحبت السلطات الإسبانية بدخوله أراضيها بهوية جزائرية مزورة تحت اسم مستعار هو محمد بن بطوش، وبعد انكشاف الأمر وتحوله فضيحة يتردد صداها في الإعلام الإسباني والدولي، سارعت مدريد للاعتراف بالأمر والتذرع بالجانب الإنساني لتبرير ذلك. 

 إبراهيم غالي هو أحد مؤسسي جبهة البوليساريو الإنفصالية وهو أول أمين عام لها منذ 10 أيار(مايو) 1973، وعند رحيل محمد ولد عبد العزيز تم تعيينه مرة أخرى في المنصب يوم 9 تموز(يوليو) 2016. عرف الرجل بتورطه في قضايا عدة تتعلق بانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان بلغت حد التورط في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية كانت موضوع شكاوى وضعت أمام القضاء الإسباني من مواطنين إسبان، وبحارة من جزر الكناري، أو من جمعيات صحراوية تضم ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في مخيمات تيندوف، وبخاصة جحيم سجن الرشيد الذي كان بطله الأمين العام للجبهة الإنفصالية. هذه الانتهاكات الخطيرة تجاوب معها القضاء الاسباني منذ سنة 2008، بل إن قاضي التحقيق الإسباني غورتال بارسینا قبل تلك الشكاوى سنة 2012، وإثر ذلك أصدر القاضي بابلو روز سنة 2013 مذكرة قضائیة صريحة تضمنت توجيه الاتھام بشكل مباشر إلى إبراهيم غالي ومن معه، ومنذ ذلك التاريخ أصبح هذا الأخير مطلوبا للعدالة الإسبانية وهو ما حرمه من دخولها منذ سنوات، وكان مبرر القضاء الإسباني بخصوص جمود القضية، صعوبة تبلیغ الشكوى إلى المتهم غالي ومن معه لأن الأسماء المدرجة في الشكاية لا تتوافق وھویة أشخاص فعليين مقيمين فوق التراب الإسباني، فماهو مصير غالي اليوم بعد أن تم فضح وجوده على الأراضي الإسبانية؟ 

قرار الحكومة الإسبانية استقبال مجرم حرب موضوع بحث قضائي في إسبانيا، يثير أكثر من سؤال ويسقط أكثر من قناع في الوقت ذاته

السؤال الأول: إذا كانت مدريد قد بررت استقبال غالي بدعاوي إنسانية، فما الذي كان يمنع أن يتم ذلك بشكل واضح وعلني بدل الموافقة على دخوله بهوية مزورة وفي سرية تامة؟

السؤال الثاني: ألا يمثل انكشاف الهوية الجزائرية المزورة لإبراهيم غالي، فشلا استخباريا مزدوجا، إسبانيا وجزائريا، وسقوطا أمنيا مدويا؟ 

السؤال الثالث:  ألا يمكن تفسير اعتماد هوية مزورة لغالي دليلا على أن السلطات الإسبانية تتذرع بالجانب الإنساني فقط، بينما نيتها الحقيقية تتجه لحمايته من المتابعة القضائية،
بما يمثله ذلك من تحقير للدستور الإسباني عبر تحقير القضاء وتيسير سبل الإفلات من العقاب بالنسبة الى متهم بجرائم ضد الإنسانية... 

السؤال الرابع: متى كان المرض مبررا لإسقاط تهم جنائية ثقيلة، وإسقاط حقوق الضحايا في العدالة والإنصاف؟ بخاصة في دولة قامت على تجربة نموذجية للانتقال الديموقراطي ترسخت فيها استقلالية المؤسسات والسلطات، دولة مازالت إلى اليوم تحتضن أكبر المقابر الجماعية نتيجة الحرب الأهلية المدمرة.

الحكومة الإسبانية اليوم محرجة أمام هذه الفضيحة، سواء أمام الرأي العام الدولي أم أمام الرأي العام المحلي، بخاصة أن ضحايا غالي من الإسبان لا يمكن تجاهلهم، ففي الوقت الذي كانت مدريد تريد تقديم خدمة لنظيرتها الجزائرية ومن ورائها جبهة البوليساريو، وجدت نفسها في مواجهة مفتوحة مع المغرب الذي يملك أوراقا كثيرة في مواجهتها منها التعاون الأمني، وبخاصة محاربة الإرهاب والجريمة المنظمة ثم ملف الهجرة حيث تلعب الرباط عمليا دور الدركي الذي تستفيد من خدماته بصفة رئيسية الحكومة الإسبانية. 

يبدو أن مدريد ومنذ الاعتراف الأميركي بسيادة المغرب على الصحراء، تعيش تحت وقع الصدمة، وأنها اختارت أن تنتج ردود فعل متشنجة حول الواقع الجديد في الصحراء المغربية، بداية من مطالبتها واشنطن بسحب الاعتراف بالسيادة المغربية، ووصولا إلى رهانها على النظام الجزائري لإفشال أي انفراج في ملف الصحراء المغربية، بمعنى آخر، تجد مدريد مصالحها في وضعية الجمود التي يعرفها النزاع المفتعل منذ إطلاق مخطط التسوية ووقف إطلاق النار بداية تسعينات القرن الماضي، والهدف من كل ذلك هو أن يبقى المغرب منشغلا بموضوع الصحراء حتى يسهل إبتزازه اقتصاديا وصرفه عن التفكير في إثارة موضوع المدينتين المحتلتين سبتة ومليلية في أقصى شمال المغرب. 

حادثة غالي أيضا تعبر في أحد أبعادها عن أزمة في صناعة القرار في إسبانيا، وذلك راجع الى حجم التحولات التي عرفها المشهد الحزبي والسياسي الإسباني في العقد الأخير، فرغم أن إسبانيا وعلى عكس كثير من الدول الأوربية، استطاعت أن تحفظ وجود الأحزاب التقليدية نظير الحزبين الشعبي والاشتراكي الذي تصدر الإنتخابات الاخيرة، في الوقت الذي تشهد فيه أوروبا إنهيار القوى السياسية الكلاسيكية، فإن ذلك لم يمنع من تكريس تراجع الثنائية الحزبية التي استمرت منذ بداية الانتقال الديموقراطي في إسبانيا، بحيث كرست نتائج الانتخابات الأخيرة إنقسام الناخبين بين تيارات سياسية عدة، وهذا الأمر يفرض تحديات كبيرة على النخب السياسية التقليدية التي من واجبها اليوم التكيف مع الوضع الجديد الذي تم ترسيمه في الإنتخابات الأخيرة، هذا التكيف يبدو أنه ينحرف في اتجاه تأثير القوة الجديدة من أقصى اليسار مع "بوديموس" إلى أقصى اليمين مع "فوكس" في صانع القرار الإسباني، وهو ما سيلقي بظلاله على العلاقات بين المغرب وإسبانيا. 

فهل تكون أزمة غالي مدخلا الى الوضوح في العلاقات المغربية الإسبانية؟ أم أن الثمن سيكون غاليا بما سينعكس على الأمن والإستقرار في غرب المتوسط؟
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم