إعلان

على الأرض السلام

المصدر: النهار العربي
محمد الرميحي
محمد الرميحي
التطرف بين الشباب
التطرف بين الشباب
A+ A-
يوم الجمعة الماضي كتبت كعادتي تغريدة على حسابي في "تويتر" تهنئة لإخواننا المسيحيين المحتفلين بعيد الميلاد المجيد، وكان النص كالتالي: "الى إخواننا المسيحيين الذين يحتفلون بعيد الميلاد هذه الليلة، عيد سعيد وتحية أخوية ومستقبل أكثر إشراقاً وتسامحاً، وعلى الأرض السلام، وفي الناس المحبة". في الصباح وجدت رداً من أحد الإخوة لم يذكر اسمه الحقيقي "اسم مستعار" يقول الآتي: "هل تقصد أنك تهنيء النصارى بيوم ميلاد ربهم والذي هو عيسى عليه السلام والله تعالى يغفر كل الذنوب إلا الشرك به. غفر الله لك ولنا أخي الفاضل". اقلقني هذا النص الأخير وقبل أن أبحر في الموضوع أقول إن هناك ردوداً أخرى كانت إيجابية وكثيرة أيضاً. 
 
ذلك يأخذنا الى موضوع بالغ الأهمية في تاريخنا الفكري الحديث، وهو من أين جاء كل هذا التعصب المخيف، وكم عدد الأشخاص الذين يحملون مثل هذه الآراء المتعصبة في ما بيننا. تزامن الحدث الذي وصفت، مع قرار لوزير الداخلية الكويتي بإنزال الفرقة الخاصة في الشرطة الكويتية الى المجمعات والأسواق. وجاء القرار على خلفية معلومات تم تأكيدها أن هناك "خلية داعشية" مكونة كما قيل من مراهقين اكتشفت ونشرت للجمهور صور الأسلحة والذخائر الخاصة بها، وأنها كانت بصدد القيام بتفجيرات ليلة رأس السنة في المجمعات التجارية، وأشير الى دور عبادة ومنها ديوانية طائفة دينية كما جاء في التسريبات.
 
الأكثر فداحة أن هذه الخلية قد جُندت أفرادها من وراء البحار كما يقال ومن بلاد عربية في شمال أفريقيا. اتصل المُجندون بهؤلاء اليافعين عن طريق الإنترنت، الا أن بيئة اليافعين الفكرية كانت مؤهلة لالتقاط الطعم. واضح لأي متابع أن هناك قصوراً فادحاً في التوجيه والتثقيف في فضائنا العربي، ترفده كتيبة "منظمة" تنتفع في شكل ما بما تفعل. أمثلة كثيرة حولنا أصابتها متلازمة التعصب، وأنا على يقين من أن قارئ هذا النص يمكن أن يضيف أمثلة أخرى عديدة. من هنا، فإن الأمر خطير، "داعش" أو "بوكو حرام" او "القاعدة" او "الحشد الشعبي" أو الاحزاب الدينية كلها فصيل واحد، تختلف في الدرجة وليس في النوع، في البوح او السرية، في العنف اللفظي او العنف المسلح. 
 
أعرف أن البعض سيقول إن التعميم خاطئ، وهو على حق، لأنه ينظر الى نفسه كونه متعاطفاً مع تلك الفئة او هذه، ولكنه شخصياً كما يرى نفسه ليس متعصباً! القول هنا للإيديولوجيا وليس للأفراد، فقد تجد أفراداً حسني النية جرفهم هذا التيار وترك هامشاً لديهم بقليل أو كثير من التعصب ضد هذا أو ذاك من الجماعات الأخرى. ليس الأمر سهلاً ولكن أيضاً لا يجوز أن نراه "تعصباً" من قلة وكفى، كما لا تكفي ادانته او وضع هذه التسمية السلبية او تلك لوصفه، بل المطلوب هو درس الظاهرة من أجل، أولاً تفكيكها وفهمها، ثم نقض ما هو غير عقلاني فيها. 
 
تُرى ما أسباب هذه الظاهرة "التعصب ضد الآخر"؟ إنه تاريخ طويل من التثقيف الخطأ أراه كما يراه بعض ممن كتب حول الظاهرة. إنه "العلاقة الملتبسة بين الدين و السياسة" والذي تحولت فيه الظاهرة السياسية الى تفسيرات يرى البعض أنها دينية أو مذهبية. هو فشل غداه تاريخ طويل من نوعية التثقيف الخاطئ والذي لا يزال يسري في مدارسنا ووسائل إعلامنا، والعجيب أنه حتى في المجتمعات العربية التي تعلن محاربتها "الإسلام الحركي" علناً، تقدم في وسائل إعلامها بل ومدارسها شيئاً كثيراً مما يمكن أن يسمى "التثقيف الخرافي للدين" والذي يحشو معلومات خاطئة في ذهن اليافعة يبني عليها المتعصبون استراتيجية تجنيدهم لهذه الفئة ممن سممت الخرافة عقولها، فأصبحوا لقمة سائغة وطريدة سهلة وجاهزة للتجنيد. 
 
يقيني بأن مبادئ الإسلام الكبرى ليست تعصباً، بل قبول للآخر، وتحميل الحدث الإسلامي هذا أو ذاك ما لا يحتمل وتعميمه ليس من مقاصد الإسلام، كما أن الإسلام كدين لا يوجد من يقول إنه يحتكر فهمه او تفسيره. ذلك تغوّل على الدين الإسلامي وفي بعضه خارج عن العقل، فكيف يكون هناك "داعية إسلامي" في مجتمع إسلامي! ذلك يوضح الانحراف الذي نشهد! نحن اليوم في عالم متداخل، فثمانية في المئة من العالم بوذيون، باختلاف اجتهاداتهم، في الصين والهند "شمالا" وجنوب شرق آسيا يتعامل معهم العالم في التجارة والمعرفة والسياسة والثقافة، و34 في المئة من سكان الأرض من طوائف عديدة ومختلفة من المسيحيين، يتاجرون مع العالم ويكتشفون الأدوية واللقاحات ويطببون البشرية، لا بل يخترعون وسائل التواصل الحديثة والسريعة والتقنية التي تنفع العالم والتي يستخدمها جميع البشر. وحوالى 32 في المئة من سكان العالم مسلمون بشتى اجتهاداتهم، ولا يظهر ذلك التعصب لدى الأغلبية منهم، هو يظهر في فئة صغيرة جداً الكثير منها حولنا "داعش، بوكو حرام، القاعدة، الأحزاب المذهبية الدينية"، وكلها يعتقد أن الحقيقة محصورة فقط باجتهاده. 
 
السؤال، كيف يمكن أن نتفادى الفخ الحضاري؟ والجواب بأن نفكر في النظر الى علل مجتمعاتنا بشجاعة لا تخيفها المزايدة ولا يرهبها إحساس العجز. زيادة "نوعية التعليم و الإعلام" في مجتمعاتنا واجبة، وإنْ لم نعد الى هذه المؤسسات لإصلاحها، فإن ما سوف يزداد هو تلك الخرافات التي تصل إلى كثير منا بواسطة وسائل التواصل الاجتماعي وتقع على عقول منزوعة المناعة الفكرية، فتنشر التعصب ونبقى كمجتمع ندفع ذلك الثمن الغالي من عدم الاستقرار وضياع اليقين. ينقلب الابن على أبيه، والمجموعة على مجتمعها.
 
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم