إعلان

العزلة تعيد تشييد العلاقات التركية الإسرائيلية

المصدر: النهار العربي
رستم محمود
أردوغان مع رئيس الحكومة الاسرائيلية الأسبق أرييل شارون
أردوغان مع رئيس الحكومة الاسرائيلية الأسبق أرييل شارون
A+ A-
مرّ أكثر من عقد كامل على وصول العلاقات الثنائية بين تركيا وإسرائيل إلى أسوأ مستوياتها، حينما أحبطت فرقاطة من سلاح البحرية الإسرائيلية في 31 أيار (مايو) عام 2010 محاولة سفينة "مساعدات" تركية من الوصول إلى قطاع غزة وكسر الحصار الذي كان مفروضاً عليها وقتئذ، وقتلت ثمانية من مُنظمي الرحلة الأتراك الذين كانوا على متن السفينة تلك. 
 
 طوال هذا العقد، كانت العلاقة المتوترة بإسرائيل واحدة من أهم الأدوات والسياسات الشعبوية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان التي كان يستخدمها بكثافة في خطاباته الموجهة للداخل. لكن أردوغان خلال ذلك كان يمشي على ثلاث ركائز رئيسية، تراعي بمجموعها الحساسيات والخطوط الحُمر الإسرائيلية. فمن جهة لم يُطلق حتى تهديدات بقطع كامل للعلاقات بين البلدين، المستمرة منذ سبعة عقود، كذلك لم ينفذ أي خطوات وإجراءات عملية قد تضر بالأمن القومي الإسرائيلي، وفوق ذلك أبقى خطابه محتكراً للحديث عن قطاع غزة وحركة "حماس" الإسلامية القريبة أيديولوجياً وتنظيمياً من حزبه، ومن دون أن يذهب الى مقاربة المسألة الفلسطينية في جوهرها الأكثر صلابة، أي الضفة الغربية، التي تشكل مساحتها أكثر من 94% من مساحة الأراضي الفلسطينية، والتي على عكس قطاع غزة، تخضع لاحتلال إسرائيلي مباشر. 
 
قبل تلك الحادثة، كانت استراتيجية أردوغان وحزب العدالة والتنمية تميل الى خلق أفضل العلاقات بإسرائيل، حتى أن تركيا كانت تقود جهوداً للوساطة بين إسرائيل وباقي الأطراف، مثل القوى الفلسطينية والنظام السوري. فأردوغان كان مأخوذاً بالعِبر من الحوادث التي واجهت غيره من قادة الإسلام السياسي الأتراك، بالذات زعيم حزبه السابق نجم الدين أربكان، الذي اتهمته الصحافة العالمية بمعاداة السامية ونشر الكراهية، بسبب مواقفه وخطاباته تجاه إسرائيل. 
 
السنوات الأولى للربيع العربي غيّرت تماماً من حِسابات أردوغان، الذي كان محملاً بالتطلعات الإمبراطورية. فقد كان يعتقد أن الثورات ستحمل حلفاءه من تنظيمات "الإخوان المُسلمين" إلى سُدة حُكم البلدان العربية، بالذات في مصر وسوريا والأراضي الفلسطينية، ومنازعة إسرائيل هي الأداة التي قد تحوّله زعيماً إسلامياً شعبوياً عابراً للحدود، لما تحتله المسألة الفلسطينية من مكانة في الضمير الجمعي لسكان هذه البلدان. 
 
طوال عقد كامل، جرّبت الأردوغانية الاستفادة القصوى من توتر العلاقة بإسرائيل، لكن مع المحافظة التامة على الخطوط الحمر الرئيسية لتلك "المنازعة"، لتكون أولاً غطاءً خطابياً لنزعات أردوغان للتمدد خارج تركيا، عبر التنظيمات السياسية والعسكرية الإسلامية المتطرفة. 
 
ثلاثة متغيرات في أفق العلاقات الإقليمية والدولية راهناً تدفع أردوغان والحلقة السياسية الضيقة المحيطة به لأن يعيدا حساباتهما تلك، وينحازا الى إعادة تشييد علاقات استراتيجية مع الجانب الإسرائيلي، حسبما تنقل التسريبات الأولية عن المفاوضات الجارية بين الطرفين منذ أكثر من شهر. 
ّ
فالإدارة الأميركية الجديدة تبشّر بحملة من الضغوط السياسية على أردوغان وسياساته الإقليمية. وأردوغان يرى في إسرائيل منفذاً للتخفيف مما قد يُمارس عليه. فوق ذلك، فإن طيف العقوبات السياسية والعسكرية الأوروبية والأميركية قد يحرم تركيا من أسواق التكنولوجيات العسكرية الأكثر حداثة، وليس من دولة مثل إسرائيل قد تعوّض ذلك. أخيراً فإن التعاون المثمر للطرفين في ملف الحرب الأذرية الأرمينية شكل دافعاً رئيسياً لإعادة تشييد العلاقات، إذ إن مصادر متطابقة قالت إن الرئيس الأذري إلهام علييف هو الوسيط المباشر بينهما. 
 
موقع Axios نشر تقريراً موسعاً كتبه الصحافي باراك رافيد، نقل خلاله من مصادر خاصة ما اعتبره المخرج الذي حفظ "ماء الوجه" بالنسبة الى أردوغان، وقبل بإعادة العلاقات إلى سابق عهدها. الصحافي نقل عن مصادره قولها إن "مستشاري الرئيس الأذري علييف أخبروا نظراءهم الإسرائيليين أن أردوغان رد بإيجابية على فكرة تحسين العلاقات، وأنهم حينما ذكروه بتاريخ من التعليقات العدوانية على إسرائيل، رد بأنه ليس معادياً لإسرائيل، ولكن تم تحريضه ضد إسرائيل من مساعديه الذين لم يعودوا ينصحونه".
 
الموقع نقل عن وزير الخارجية الأذري جيهون بيرموف مكالمة أخيرة مع نظيره الإسرائيلي غابي أشكنازي، قال فيها إن "أذربيجان تعتقد أن الوقت مناسب لإسرائيل وتركيا لإصلاح العلاقات، أبلغ علييف كبار مستشاريه أنه يريد رؤية صديقيه الحميمين - تركيا وإسرائيل – يعودان إلى العلاقات الطبيعية، وهو على استعداد للمساعدة في تحقيق ذلك". 
 
 موقع JNS نقل معلومات خاصة يتم تداولها عن المصالح الاقتصادية الحديثة التي صارت مشتركة بين الدولتين خلال العامين الماضين، والتي تدفع علاقتهما لأن تدخل حيزاً جديداً من الفاعلية. التقرير التحليلي الذي كتبه دإين إلماز، أشار إلى أن الحدود البحرية بين إسرائيل وقبرص، التي هي خزان من الثروات الباطنية، لا تزال محل نزاع، برغم كل الاتفاقيات الأخرى التي وقعها البلدان. في الوقت نفسه، فإن قبرص وتركيا غارقتان في نزاعات عديدة حول حدودهما البحرية. لذلك، تسعى تركيا إلى حل مشكلاتها مع إسرائيل بضربة واحدة، من خلال اتفاق ثنائي، الأمر الذي قد يترك قبرص في مأزق.
يضيف التقرير: "ومن الفوائد المحتملة أيضاً لإسرائيل، ربط خط أنابيب الغاز الإسرائيلي المزمع إنشاؤه إلى أوروبا بخط الأنابيب التركي الموجود بالفعل. سيكون هذا الخيار عملياً بدرجة أكبر ورخيصاً بالنسبة لإسرائيل".
 
إعادة تركيا علاقاتها الطبيعية بإسرائيل، يوجب عليها طيفاً من التغييرات الاستراتيجية لسلوكياتها الإقليمية. فهي لن تتمكن من مواصلة تصدير خطابها الشعبوي تجاه حركات الإسلام السياسي المرتبطة بها، إذ يعتمد الطرفان على "نغمة" معاداة إسرائيل، الفلسطينية منها بالذات، التي حاولت طوال السنوات الماضية تحويل تركيا مركزاً لوجستياً لتحركاتها الإقليمية والدولية.
 
 كذلك فإن أردوغان لن يستطيع الاستمرار في نسج علاقات ودية واستراتيجية مع إيران، إذ كانت مناهضة إسرائيل ودول المجموعة الخليجية قاسماً مشتركاً بين الطرفين. على المنوال نفسه، فإن الأردوغانية مجبرة على إعادة صوغ مناهضتها لاتفاقيات السلام التي تعقدها الدول العربية والإسلامية مع إسرائيل، وهو موقف يتطلب أن تعيد تركيا ترتيب موقعها ضمن محاور دول العالم الإسلامي.  
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم