إعلان

لماذا لا تكتب عنّا؟!

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
نازحون سوريون في تركيا
نازحون سوريون في تركيا
A+ A-
في مدرسة "الخطابة والإمامة" الرسمية في مدينة "كهرمان مراش"، أو "مرعش" كما هو اسمها العربي، تدرس نحو 2000 طالبة، إضافة الى المنهج الحكومي، شيئاً من علوم الدين، من بينهن نحو 700 طالبة سورية اجتازت عائلاتهن الحدود هرباً من الحرب.
 
يوحد الزي البرتقالي والأسود الشرعي الطالبات ويمحو إمكان التفريق بينهن، ويمنح المدرسة بعداً دينياً تعززه اللافتة واسم المدرسة، ولكن في الاستراحة تسمع بوضوح شكوى أحد المشرفين من عدم إقبال الطالبات السوريات على تعلم اللغة التركية.
 
لم أحصل على تفسير للاسم، إذ لا مجال للإمامة والخطابة أمام المتخرّجات، وسيكون عليهن، في أفضل الأحوال، الاكتفاء بمتابعة دراسة الشريعة ومتابعة مصير جرى إعداده مسبقاً كخيار وحيد.
 
على نحو ما أستطيع مديح المكان من مقعدي في كافتيريا صيفية في إحدى الساحات، بينما أستمع الى شرح المشرف على الزيارة غير بعيد من فتيات يلعبن كرة القدم، الفضاءات الواسعة، الملاعب، القاعات الدراسية، المسرح والسكن الداخلي ووجبة الغداء الجماعية في المطعم الواسع النظيف.
وسأضيف الى ذلك فكرة استضافة كاتب عربي ليتحدث مع الطالبات عن تجربته وليتلقى أسئلة، بدا لي أن بعضها معد سابقاً.
 
هذه الزيارة كانت ضمن زيارات عدة تضمنها البرنامج الذي تشرف عليه بلدية المدينة والذي يشكل موسماً ثقافياً متعدداً، قراءات شعرية محلية وعالمية، معارض للفنون الحديثة، ندوات ثقافية ومعرضاً هاماً للكتاب، ولكن زيارات المدارس الثانوية وتقديم محاضرات حول التجارب الفردية للكتاب وإجراء الحوارات المباشرة مع الطلبة كانت لافتة حقاً.
 
يقول المشرف إن فكرة وجود كاتب يتحدث العربية سيترك أثراً إيجابياً في الطالبات، بخاصة السوريات، وسيمنحهن شيئاً من الثقة حين يوجهن أسئلتهن مباشرة بالعربية ويتلقين الإجابة بالعربية.
 
وجود 700 طالبة عربية سيساعد في فهم التركيبة السكانية التي تبدلت في هذه المدينة جنوب تركيا، القريبة من الحدود السورية، وتأثير موجات اللاجئين على حياة المدينة والمنطقة المحيطة وحيويتهما، وهو ما يعزز رقماً متداولاً هنا، من دون توثيق، للاجئين السوريين يتحرك في حدود الـ300 ألف لاجئ، سيظهر هذا التأثير في عدد من الأحياء التي أعاد اللاجئون إحياءها ومنحها تلك السمات الخاصة التي حملها ملايين السوريين الى مدن أبعد في العمق الأوروبي والعربي، مثل برلين في ألمانيا والعاصمة المصرية القاهرة.
 
سألت الفتيات اللواتي تجمعن من أجل صورة تذكارية عن مواطنهن الأصلية؛ حلب، إدلب، حماة، أعزاز، جبل الزاوية...
 
في الليل تجولت في المدينة ووصلت الى تلك الأحياء التي أضاءها السوريون؛ المطاعم وحوانيت الحلويات والأقمشة والأنسجة والأفران والخضر والفواكه والخدمات والحرف الصغيرة... بينما ينتشرون في النهار في الحقول المنبسطة حول المدينة، حيث يجري نهر جيهان، ومن أكثر من زاوية سيشير شخص ظهر الى جانبك الى "الجبل الأخير"، آخر السلسلة في جبال طوروس حيث يتراكم خلفها الغبار فوق حجارة بيوتهم وأثاثها المحطم.
 
لقد استطاعوا أن يصنعوا حياة هنا، رغم أن الحصول على خصوصية، غير اللغة، يبدو صعباً في تركيا وأكثر صعوبة في هذه المناطق التي تشبههم الى حد كبير، التي كانت تابعة لحلب نهاية عشرينات القرن الماضي قبل أن يجري إلحاقها بجمهورية كمال أتاتورك الصاعدة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، والتي سيتبعها بعد عقد من السنوات لواء الإسكندرون الامتداد الطبيعي للاذقية.
 
أفكر في أن هذه الحرب المتروكة هنا هي الحرب الحقيقية، الحرب التي يمكن مشاهدتها ولمسها عبر مصائر الملايين من السوريين الذين يسعون من دون ضوء خارج بلادهم، تقودهم رغبتهم العميقة في الحياة.
في قاعة المدرسة، تتدفق أسئلة مدروسة في معظمها حول الشعر، قبل أن تخرج فتاة من حماة عن السرب لتسأل: لماذا لا تكتب عنا!
في الطريق بين "مرعش" و"غازي عنتاب"، واصل ذلك السؤال طرق كل شيء؛ أعمدة الهاتف وتشكيلات الصخور والسهول المفتوحة على جانبي الحافلة ولافتات الطريق وإشارات الاتجاهات... السؤال الذي يختصر الحرب في فتاة لاجئة من حماة تخبرك ببساطة:
 أنت لا تفعل شيئاً. 
  
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم