إعلان

حرب القوقاز ... أردوغان يكرر السيناريو الليبي

المصدر: النهار العربي
سميح صعب
سميح صعب
جنود في كاراباخ
جنود في كاراباخ
A+ A-

لمصلحة مَن اندلاع حربٍ في القوقاز الآن بين أرمينيا وأذربيجان؟ هذا ‏سؤال تقدم ما عداه من سيل الأسئلة التي تتدفق مع ذيوع خبر اندلاع ‏الأعمال القتالية على نطاق واسع في إقليم ناغورني كاراباخ وإعلان كلٍ ‏من يريفان وباكو حال الحرب.

 

أول المسارعين إلى الإعلان عن الوقوف إلى جانب أذربيجان، كان ‏الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بينما كان وزير الخارجية الروسي ‏سيرغي لافروف يتصل هاتفياً بنظيره التركي مولود جاويش أوغلو، ‏مشدداً على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار. وكأن موسكو أرادت ‏أن تقول لأنقرة إنها تعرف من يقف وراء تفجير النزاع المسلح في توقيت ‏سيئ بالنسبة الى روسيا.   ‏

 

وكل المؤشرات المتوافرة تدل على أن أردوغان ليس بعيداً مما يجري، ‏لا سيما أنه يصب في صلب مشروعه لإستعادة النفوذ التركي في ‏القوقاز، وكل منطقة سبق أن احتلها العثمانيون في أوج قوتهم. النهج ‏التركي في القوقاز لا يختلف عن ذلك المتبع حيال شمال سوريا أو شمال ‏العراق أو ليبيا، حتى لا نذكر شمال قبرص وقطر والصومال ومحاولات ‏لإقامة موطئ قدم في شمال لبنان. وما معنى أن تنقل تركيا دفعة من ‏مقاتلي المعارضة السورية من شمال حلب إلى أذربيجان قبل يومين ‏من بدء المواجهات. إنه السيناريو الليبي يتكرر بحذافيره.

 

أول الرابحين من حرب القوقاز هو أردوغان وأول الخاسرين هو روسيا. ‏إذ إنه على رغم أن موسكو تنسق جهودها في شمال سوريا وليبيا مع ‏أنقرة، فإن تركيا لا يضيرها أن تنتهز فرصة النزاع كي تعزز نفوذها ‏في منطقة بالغة الحساسية بالنسبة الى روسيا في هذا التوقيت. فآخر ما يريده ‏الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الوقت الحالي هو اندلاع جبهة جديدة ‏تشكل عامل إشغال لموسكو في وقت يشتد فيه أوار المواجهة في ‏بيلاروسيا، بينما جبهات أوكرانيا وسوريا وليبيا لا تزال مفتوحة.

 

وماذا يعني أيضاً أن يتجدد النزاع الأرميني - الأذري بعد يومين فقط من ‏انتهاء المناورات الروسية الواسعة النطاق في جنوب القوقاز بمشاركة جنود ‏من أرمينيا والصين وإيران وميانمار؟ فهل ثمة من يريد توجيه رسالة ‏حازمة إلى موسكو، بأن القوقاز لم تعد منطقة "روسية" وبأن ثمة لاعبين ‏آخرين قادرون على الحضور أيضاً؟

 

وهذان التساؤلان يقودان حتماً إلى واشنطن، التي تزيد من حضورها ‏العسكري في البحر الأسود وتقيم أفضل العلاقات مع جورجيا التي لا ‏تفارقها فكرة التملص نهائياً من النفوذ الروسي. واندلاع نزاع في القوقاز ‏سيشكل عامل إرباك لروسيا كون فوهات المدافع لن تكون بعيدة من أنبوب ‏نفط "تورك ستريم" الذي ينقل الغاز الروسي إلى تركيا ومنه إلى دول في ‏جنوب أوروبا.

 

لكن كيف يمكن أن تشارك تركيا في مغامرة يمكن أن تلحق ضرراً ‏بالفوائد التي تجنيها من وراء أنبوب الغاز الروسي؟ هنا لا يمكن الجزم ‏بأن أردوغان على رغم تعاونه الوثيق مع بوتين في السنوات الأخيرة، لا ‏يزال في امتداداته الأطلسية راغباً في التعاون مع واشنطن أيضاً ‏والاستفادة من الخلافات الأميركية - الروسية إلى أقصى الحدود، خصوصاً ‏أن التوتر في القوقاز يعزز أوراقه كلاعب إقليمي له وزنه من شمال ‏العراق إلى القوقاز وشمال أفريقيا مروراً بشرق المتوسط.   ‏

 

ومما لا شك فيه أن الاقتراب من القوقاز بالنسبة إلى روسيا سيكون بمثابة ‏من يلعب بالنار. روسيا المحاصرة بالعقوبات الغربية بسبب شبه جزيرة ‏القرم وشرق أوكرانيا وسوريا وقضية تسميم المعارض الروسي أليكسي ‏نافالني الذي قد يكون سبباً في وقف مشروع أنبوب الغاز "نورد ستريم" ‏الذي يمر بألمانيا، والاضطرابات التي تهدد حليفها السلافي ألكسندر ‏لوكاشنكو في بيلاروسيا، لن تظهر تسامحاً حيال اللعب بنيران القوقاز.

 

مرة أخرى، تستهوي أردوغان لعبة مد النفوذ، لكن هذه المرة سيتعين ‏عليه التدقيق في حسابات الربح والخسارة وبين المكاسب الآنية والمكاسب ‏البعيدة المدى. والمخاطر بإثارة حنق شريكه الروسي. وليس روسيا ‏فحسب، بل إن إيران المجاورة لأذربيجان والتي لم تكن علاقاتها يوماً ‏مستقرة مع باكو، ستنظر إلى أنقرة أيضاً بعيون الشك والريبة حول الدور ‏التركي في القوقاز.   ‏

 

إن القوقاز بؤرة نزاع تحمل معها خيوطاً متشابكة من السياسي إلى ‏الاقتصادي إلى التاريخي والثقافي. وصب الزيت على النار في هذه ‏المنطقة، مغامرة خطرة وغير مأمونة العواقب. ‏

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم