إعلان

أغيثوا لبنان سياسياً!

المصدر: النهار العربي
خالد الطراح
انفجار مرفأ بيروت في الرابع من اب (اغسطس)
انفجار مرفأ بيروت في الرابع من اب (اغسطس)
A+ A-
استفاق لبنان شعباً ووطناً والعالم بعد الرابع من آب  (أغسطس) على كارثة جديدة، وهي كارثة انفجار مرفأ بيروت الذي أودى بلبنان نحو المجهول مجدداً.


كارثة مرفأ بيروت هي بالفعل مأساة بشرية، فقد عاد الانفجار بلبنان الى سنوات التشرد الاجتماعي لكل بيت في بيروت ولبنان ككل، وبرك الدم ومشاهد الضحايا في كل مكان وزاوية، إلى أعداد كبيرة من الجرحى، فضلاً عن التعقيدات الأمنية والسياسية المصاحبة للانفجار.


استنفر الانفجار المجتمع الدولي على مستوى الشعوب والمنظمات والدول، وليس هذا الوقت المناسب للدخول في سرد التفاصيل والمقارنة بين حجم الاندفاع الدولي نحو إغاثة لبنان والإشادة بهذه الدولة أو تلك، أو سرعة الإغاثة وطبيعتها منذ الساعات الأولى من الانفجار الذي عصف بالضمير البشري في كل أنحاء العالم.


برهن الانفجار مجدداً على أن بيروت، هذه العاصمة الأبيّة، هي أصلاً محفورة في الوجدان العربي والغربي، ولولا ذلك لما رُسمت صدمة وهول الحوادث والتداعيات للانفجار على وجوه البشرية.


مع الساعات الأولى من الانفجار، ومع انتشار مقاطع لمشاهد الجرحى والشهداء إعلامياً، وما تلى ذلك بأيام قليلة، غرق كثيرون في توجيه أصابع الاتهام الى إسرائيل، وهي العادة العربية في مثل كل المحن والتعقيدات والمآسي التي يشهدها لبنان وغيره من البلدان العربية، ولا أستثني منها فلسطين، فيما انغمس آخرون في تتبع صلة "حزب الله"، أي وكيل إيران في لبنان، في أسباب الانفجار.


لا أجد لنفسي مكاناً بين هذه التحليلات والاتهامات، ففي هذا الظرف الكارثي ليس من المجدي توجيه أصابع الاتهام الى قوى خارجية أو حزب موال لإيران، فتوجيه اللوم والتهم والتحليل من منظور المؤامرة لن يفيد ولن ينقذ بيروت من تداعيات انفجار المرفأ، فلبنان ككل يواجه اليوم تحدّيات غير مسبوقة تاريخياً شكلاً مضموناً. 


كانت المؤشرات واضحة منذ الشهور الأخيرة، ومنذ التعقيدات التي صاحبت تشكيل الحكومة اللبنانية المستقيلة، كما كل الحكومات السابقة، حيث إن كل المؤشرات تدل على أن المعضلة الأساسية في لبنان الشقيق هي لبنانية - لبنانية، أي أن المعضلة والتحدي الكبير والعسير الذي يواجه لبنان هو أساساً من الداخل بسبب تشرذم القوى والطوائف السياسية وسباقها المحموم نحو القيادة والزعامة الطائفية أو الدينية تحديداً.


كان واضحاً انهيار مقوّمات الدولة المدنيّة في لبنان وتلاشي قيم التعددية السياسية والدينية، وهو الثمن الذي يدفعه هذا البلد شعباً ووطناً اليوم، وهذا يعني أن من الواجب إدراك أن لبنان بحاجة الى إغاثة سياسية من الداخل وبدعم دولي وإقليمي.


من واقع تاريخ لبنان السياسي والعربي، يظهر أن المآسي تتقاذف الأوطان داخلياً نتيجة صراعات سياسية لا مبرر لها منطقياً وموضوعياً، لكن هذا لا ينفي وجود العامل الخارجي، والعامل الداخلي المتعاون في التآمر وتنفيذ الأجندات السياسية والاقتصادية ضد مصالح الدول والشعوب.


كمواطن عربي مراقب ومحب للبنان وشعبه، أجد لزاماً على القيادة السياسية في لبنان تقديم المصلحة الوطنية في هذا الظرف الكارثي والمأسوي في تحمل المسؤولية الوطنية أمام الشعب اللبناني والمجتمع الدولي، وفي تسطير القرار الجريء بالتنازل عن سلطة الزعامة كخطوة أولى ليستعيد لبنان أنفاسه ويلتقط حواسه من أجل الخروج من الوضع المتآكل للبلد في ماضيه وحاضره ومستقبله.


لبنان بحاجة الى إدراك الطوائف السياسية أن المزيد من التشرذم والتمسك بمشروع الزعامات الدينية والهيمنة الحزبية والمحاصصة، لن يصنع أملاً في عودة الاستقرار وإنقاذ لبنان شعباً ووطناً، فقد تعبر بيروت كارثة المرفأ لكن هذا لا يعني عبور لبنان نحو قواعد وأسوار الدولة المدنية.


إنني أتحدث بلغة براغماتية وليس التنظير المفرط وهذيان التحليل الإعلامي لنظرية المؤامرة. وفي هذا الصدد، أدعو القيادات السياسية اللبنانية الى عدم طيّ تداعيات المأساة ومشهد الجرحى والشهداء لانفجار مرفأ بيروت، بل تحمل المسؤولية الوطنية في التنازل العلني أمام الشعب اللبناني وإفساح المجال لعودة الدولة المدنية بأياد لبنانية بعيداً من صراعات المقاعد الحكومية والرئاسية، فقد آن الأوان لإنقاذ لبنان وإغاثته سياسياً قبل أي إغاثة أخرى، فلن ينقذ لبنان سوى أهل لبنان أنفسهم.


قلوبنا وضمائرنا مع الشعب اللبناني وصلواتنا للبنان.
الكلمات الدالة