إعلان

القاهرة - أنقرة: المعضلات أكبر من برامج تلفزيونية

المصدر: النهار العربي
محمد صلاح
محمد صلاح
السيسي وأردوغان
السيسي وأردوغان
A+ A-
لا يحتاج الأمر إلى أدلة أو براهين لإظهار تغير الموقف التركي تجاه الحُكْم في مصر، فالرئيس رجب طيب أردوغان الذي ينتمي أصلاً إلى الجماعة ذاتها التي حكمت مصر لسنة ثم أُطيح بها بثورة شعبية، ظل طوال أكثر من سبع سنوات لا يكل ولا يمل من هجومه الحاد وإطلاق عباراته اللاذعة ضد الرئيس عبدالفتاح السيسي، مكرراً أن ما جرى في مصر وإبعاد محمد مرسي من مقعد الحكم "انقلاباً"، مسوقاً العبارات نفسها والمنطق ذاته الذي تحدث به تنظيم "الإخوان" الإرهابي. لم يكن القرار التركي بوقف برامج تلفزيونية لقنوات تبث من تركيا سوى خطوة ضمن خطوات أخرى سارت فيها تركيا للتقارب مع مصر، لكن المؤكد أنها لم تكن كافية لاعادة الدفء بين البلدين.
 
صحيح أن القرار أحدث ضجة وأثار جدلاً بعدما أعلنه مقدمو البرامج أنفسهم إلا أن رد الفعل المصري بدا متحفظاً ما يؤكد أن المطلوب من أنقرة لتحقيق مصالحة مع مصر يتجاوز كثيراً مسألة البرامج التي تمارس، منذ سنوات، التحريض من دون فائدة أو تأثير بل إنها تحولت في كثير من الأحيان الى مادة للسخرية من تنظيم "الإخوان" الإرهابي والحكم في تركيا في آن.
 
ظل السيسي يرد على مواقف أردوغان بطريقة مختلفة، إذ لم يتناول المواقف التركية من بلاده أو هجوم أردوغان عليه ولم يتحدث عن الأمر في أحاديثه واكتفت الإدارة المصرية عادة ببيانات قصيرة ومختصرة تصدر عن وزارة الخارجية لتوضيح ما ترى أنه مغالطات أو تدخلات تركية في الشأن المصري. أما وسائل الإعلام المصرية، فلم تفرق ما بين مواقف أردوغان من مصر ومواقف كل قادة وعناصر "الإخوان"، سواء أكانوا الموجودين داخل مصر أو المنتشرين في دول العالم، الذين يبدو خطابهم ومواقفهم السياسية وكأنها تطبيق لـ "كتالوغ" يحفظونه وينفذون بنوده.
 
لا يبدو أن المصالحة بين البلدين قريبة، فالتناقضات كبيرة والمصالح متضاربة والتراث كئيب، وأقصى ما يمكن أن يتحقق على المدى القريب تهدئة او مرحلة انتقالية ستُخضع خلالها مصر السلوك التركي للبحث والدراسة والتقييم، فالملفات معقدة وتحتاج الى تراجعات تركية في ليبيا والمتوسط وسوريا والعراق وتجاه دول الخليج ناهيك بسياسات تركيا تجاه التحالف المصري - اليوناني - القبرصي، خصوصاً أن الزعماء الثلاثة لهذا التحالف اتفقوا على مساندة كل دولة مواقف الدولتين الأخريين في المحافل الدولية. السيسي أكد مراراً "استمرار دعم مصر لجهود التواصل لحل عادل للقضية القبرصية، بما يضمن "إعادة توحيد شطريّ الجزيرة"، ويراعي حقوق القبارصة، وفق قرارات الأمم المتحدة ومقررات الشرعية الدولية"، بينما حرص رئيس قبرص نيكوس أناستاسيادس على تأكيد أن التعاون الثلاثي بين مصر وقبرص واليونان "ليس موجهاً الى أي طرف آخر"... الموقف المصري الواضح الذي يدعم "بقوة أكبر" حل القضية القبرصية، وفقاً لتصريح رئيس قبرص، قد يفسر على أنه "مناكفة" لأنقرة، رداً على مواقف وتعليقات الرئيس التركي أردوغان من الحُكْم، لكن حل تلك المشكلة قد يمثل مصلحة للقاهرة بعد أن باتت منطقة المتوسط من دوائر اهتماماتها الاقتصادية ذات الأولوية، فالوصول لحل لهذا النزاع يمثل ضرورة بالنظر إلى المباحثات "المصرية - القبرصية - اليوناينة" بعد ترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة لكل دولة في المتوسط، تجنباً لأي نزاعات قد تنشأ في المستقبل تكون تركيا طرفاً فيها، في ظل تخطيط مصر للاستفادة بقوة من اكتشافات الغاز في مياهها الإقليمية في البحر المتوسط، ونقل الغاز إلى أوروبا اعتماداً على "آلية التعاون الثلاثي" مع قبرص واليونان.
 
ضربت مصر عصفورين بحجر واحد، إذ تحركت في هذا الملف لتحقيق مصالحها الاقتصادية والسياسية، من دون أن تخالف القانون الدولي أو القرارات الأممية، كما ردت على أردوغان من دون كلام! على الجانب الآخر هناك الطموحات التركية لترسيخ مناطق للنفوذ في الشرق الأوسط والتي تتصادم مع الدور المصري التاريخي في المنطقة من جهة والاستراتيجية المصرية في التعاطي مع الإقليم بالتعاون مع المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة من جهة أخرى، وتتعارض مع أنماط توجهات السياسة المصرية في ملف الأمن القومي العربي والتي جاء لقاء الرئيس السيسي والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني والرئيس العراقي برهم صالح في بغداد ضمنها.
 
عموماً لا يمكن الحكم على مستقبل العلاقات المصرية - التركية الآن، فالملفات العالقة معقدة والمطالب، أو قل الشروط، المصرية ليس سهلاً على أردوغان تحقيقها إلا إذا تخلى عن طموحاته وأحلامه ... وربما انتماءاته أيضاً!
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم