إعلان

اعترافاته ستكون لها تداعيات خطيرة: من هو رجل الأعمال التركي "الفضيحة"؟ (الجزء الثاني)

المصدر: النهار العربي
سركيس قصارجيان
طائرة كوركماز
طائرة كوركماز
A+ A-
 
ادّعى المافيوزي التركي سيدات بيكير أنه في ليلة 4 من كانون الثاني (يناير) الماضي، استدعى وزير الداخلية التركي سليمان صويلو رجل الأعمال التركي سيزغين باران كوركماز إلى مكتبه في الوزارة، وطلب منه مبلغ 45 مليون دولار ومغادرة تركيا لبعض الوقت لحين تسوية مشكلاته القضائية، فغادر كوركماز البلاد في صباح اليوم التالي، قبل أن تعيد محكمة اسطنبول إحكام الحجز ومنع السفر بحقه، بعد مغادرته بأقل من أسبوع.
 
ويقول الصحافي التركي أوزان غوندوغدو، المتابع للملف: "رغم أن الصحافيين الأتراك تحدثوا عن مسألة كوركماز وكتبوا عنها سابقاً، إلا أن بيكير هو من أحياها مجدداً وجعلها جزءاً من يوميات تركيا".
 
ويضيف غوندوغدو "أن سبب خروج كوركماز من تركيا في ظل المطالبة به من  الولايات المتحدة يشكّل إلى الآن لغزاً بالنسبة الى متابعي الملف"، مرجّحاً أنه "تم الاستغناء عنه من مشغّليه ودفعه إلى الحضن الأميركي"، ومستبعداً في الوقت ذاته فرضية رحيل كوركماز بسبب "ارتكابه خطأً كبيراً" أزعج السلطات.
 
 
غوندوغدو 
 
 
زيارة وزارة الداخلية التركية قبل ليلة واحدة من مغادرته تركيا، ليست القنبلة الوحيدة التي فجّرها بكير في سلسلة فيديواته المتضمنة فضائح رجالات السلطة في تركيا، فقد أتبعها بتغريدة تحدّثت عن تواصل الإعلامي التركي فييس اتيش، المحسوب على وزير الداخلية صويلو، والمذيع الرئيسي في قناة "هابر ترك" التلفزيونية الموالية، مع كوركماز هاتفياً، وطلب مبلغ 10 ملايين دولار منه مقابل "تسوية وضعه" في تركيا، والسماح له بالعودة مجدداً. وبرغم نفي اتيش طلبه المال، إلا أنه اعترف بتوسّطه لدى وزير الداخلية التركي من أجل "حل ملف كوركماز، ليعود إلى عائلته وأولاده الذين ابتعد عنهم"، لكنه اضطر الى تقديم استقالته من القناة بعد نشر كوركماز تسجيلاً صوتياً مؤيداً لادعاءات بيكير، تضمّن 3 دقائق من المكالمة الهاتفية التي دارت لمدة 12 دقيقة بينه وبين أتيش، والتي تحمل في متنها غير المعلن حتى الآن الكثير من المفاجآت بحسب ادعاء كوركماز نفسه.
 
 
أما أكثر الأدلة وضوحاً على "الصداقة المتينة" التي جمعت كوركماز بصويلو، فهي استخدام الوزير طائرة رجل الأعمال التركي الفاخرة، والتي تعتبر من أغلى الطائرات الشخصية في العالم "كسيارة أجرة" للتنقل بين الولايات التركية خلال الحملة الانتخابية الأخيرة، أو بهدف مشاهدة المباريات في بعض الأحيان، بحسب ادعاء صحيفة "جمهورييت" التركية، التي رصدت مسار رحلات الطائرة داخل تركيا وخارجها، ليتبين أيضاً أن دولة فنزويلا هي أكثر الوجهات الخارجية التي حطّت فيها الطائرة الموصوفة بفندق 7 نجوم طائر لاحتوائها على حوض للسباحة ومطاعم وبارات، وتبلغ الكلفة الوسيطة للطيران بها في رحلة تستغرق 12 ساعة نحو 44 ألف يورو.
 
ويربط محللون أتراك رحلات الطائرة إلى فنزويلا مع حركة نقل الذهب والدولار إلى هذا البلد المحاصر بالعقوبات المالية والاقتصادية الأميركية، إضافة إلى حركة تجارة الكوكايين النشطة أخيراً من موانئ دول أميركا اللاتينية باتجاه الموانئ التركية، بخاصة بعد إيقاف السلطات الإيطالية إحدى السفن المتجهة إلى تركيا وعلى متنها أكثر من 400 كلغ من المخدّر الأغلى في العالم قادمة من فنزويلا.
 
وليس من قبيل الصدفة قيام الطائرة المذكورة أيضاً بنقل الراهب الأميركي المحتجز في تركيا، أندريو برنسون، بعد إطلاق سراجه غداة تهديد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب "بتدمير الاقتصاد التركي" في حال مواصلة أردوغان تعنته في احتجازه، إضافة إلى نقل الأتراك العالقين في أستراليا إبان بداية تدابير جائحة كورونا الصارمة في قطاع الطيران، وهو ما تم تصويره في الإعلام التركي آنذاك كعمل وطني وإنساني قام به كوركماز المحب لعمل الخير وأحد رجال الأعمال الوطنيين الأتراك.

أردوغان طلب الحماية 
إحدى أكثر المحطات غرابة في قصة كوركماز، هي ما كشف عنه الأخوان كينغستن وشريكهم رجل المافيا الأرميني ليفون ديرمنجيان خلال جلسات المحاكمة في الولايات المتحدة، عن علاقتهم برجالات السياسة الأتراك وعلى رأسهم الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي التقوه مرات عدة في تركيا والولايات المتحدة.
 
الأخوان كينغستن
 
 
وادّعى المتهمون خلال المحاكمة، طلب الرئيس التركي حماية ومرافقين إضافيين من رجل المافيا الأرميني الحاصل على الجنسيتين الأميركية والتركية، باسم تركي "ليف أصلان ديرمن"، وذلك خلال زيارة الرئيس التركي للولايات المتحدة على هامش أسبوع الأمم المتحدة عام 2019.
 
وفي الضفة الأخرى، فإن صور كوركماز مع سياسيين ومسؤولين أميركيين تشير إلى عمق الشبكة المذكورة مع السلطات في كل من تركيا والولايات المتحدة، وقد تكون صورة كوركماز مع الجنرال الأميركي مارك فلين، رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأسبق ومستشار ترامب للشؤون الأمنية من أبرزها، إذ تناقلت وسائل الإعلام الأميركية أخباراً حول بحث كوركماز وشريكه السابق، رئيس مجلس الأعمال التركي - الأميركي (TIAK) كمال أكيم البتيكين، ببحث خيار خطف الداعية الإسلامي المطلوب تركياً فتح الله غولن من الولايات المتحدة وإحضاره إلى تركيا بمساعدة فلين مقابل مبلغ 10 ملايين دولار.
 
ويعتقد غوندوغدو أن "كوركماز في الأساس هو أداة في شبكة تمتد من ترامب إلى أردوغان، أو بالأحرى من الولايات المتحدة إلى البحر الأسود، تضم رجال أعمال أميركيين وأتراكاً وروساً، وإلقاء القبض على كوركماز جاء نتيجة رغبة أحدهم في تفكيك هذه الشبكة، التي يتمركز كوركماز في وسطها، وبالتالي فإن اعترافاته ستكون لها نتائج خطيرة".

توقيف كوركماز في النمسا
أوقفت السلطات النمسوية سيزغين باران كوركماز المتنقّل بين سويسرا والنمسا، وذلك بناءً على طلب الولايات المتحدة، التي جددت معاهدة تبادل المطلوبين مع النمسا قبل يوم واحد من توقيف كوركماز، ما اعتبره البعض دليلاً الى عزم واشنطن على استرداد كوركماز ومحاكمته.
 
وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها توقيف كوركماز، فقد تعرّض للاحتجاز خلال زيارته لجمهورية الكونغو الديمقراطية، في 14 كانون الثاني (يناير) الماضي، بناء على طلب من الولايات المتحدة أيضاً، بتهمة التعامل التجاري مع اللبناني صالح عاصي صاحب سلسلة أفران والملقب في البلاد بـ "ملك الخبز"، والمصنّف ضمن لائحة عقوبات وزارة الخزينة الأميركية بتهمة دعم "حزب الله" اللبناني الذي تصنّفه واشنطن كمنظمة ارهابية، لكن سرعان ما تم اطلاق سراحه بعد تدخل عاصي ذي النفوذ الواسع، وقام كوركماز بمغادرة الكونغو، التي اعتاد على زيارتها مرات عديدة، فور اطلاق سراحه.
 
وفيما لم تتقدم تركيا حتى الآن بطلب رسمي للسلطات النمسوية لاسترداد كوركماز، المطلوب في تركيا أيضاً، إلا أن محامي رجل الأعمال التركي - الأميركي صرّح برغبة موكّله في المثول أمام المحاكم التركية، وهو ما يستبعده الخبراء القانونيون الأتراك.
 
وبحسب غوندوغدو، فإن "الإعلام التركي تعامل مع مسألة كوركماز بداية كقضية عدلية متعلقة بشبكة احتيال وغسيل أموال وامتدادات هذه الشبكة في السياسة والحكومة، فيما أنه بالنظر إلى شركاء كوركماز في الولايات المتحدة، فإن المسألة تأخذ بعداً أكثر جدية، وبخاصة مع اعترافات ليف بارناس في الولايات المتحدة والموقوف في قضية اللوبيينغ بين ترامب وأوكرانيا، فإنها تضع كوركماز في قلب شبكة علاقات ضخمة جداً، لدرجة أن المافيوزي الأرميني ديرمنجيان هو شريك رجل الأعمال الأذربيجاني مباريز مانسيموف، الذي بدوره هو شريك رجل الأعمال الروسي أحمدوف، الذي يرتبط بعلاقات جيدة مع ترامب".
 
ويعتقد غوندوغدو أن "محاكمة الشبكة الممتدة من كوركماز إلى مانسيموف ومحمد أغار ورضا صراف، ستستخدمها الولايات المتحدة كسيف ديموقراطية تلوح به في وجه تركيا، وسيكون ملف كوركماز أحد الملفات الهامة في السياسة الخارجية التركية، كما هي حال ملف هالك بانك ورضا صراف".
 
ويرى غوندوغدو أن للملف بعداً اقتصادياً أيضاً، "فتركيا التي تعاني منذ مدة أزمة اقتصادية، ستزيد محاكمة كوركماز المخاطر الاقتصادية عليها، بخاصة مع يقين الولايات المتحدة من كون الاقتصاد هو الخاصرة الرخوة لتركيا، التي فقدت عملتها 35% من قيمتها إبان رسالة التهديد التي وجهها ترامب في حال عدم إطلاق سراح الراهب الأميركي"، مشيراً إلى إمكان أن تستخدم واشنطن الورقة الاقتصادية للضغط على تركيا في ملف السياسة الخارجية في الأيام المقبلة.
 
ويعتقد غوندوغدو أن السؤال الأهم هو: "لماذا باتت مثل هذه الفضائح تظهر اليوم، فيما لم تكن في تركيا فضائح مشابهة قبل 10 سنوات؟" ليجيب قائلاً إنه "بعد محاولة الانقلاب في تركيا عام 2016، جفّت مصادر ورود المال الساخن (الكاش) إلى تركيا، وبالنظر إلى أن شكل الاقتصاد التركي المرتبط بالخارج والمثقل بالديون الخارجية، هو الاعتماد على الأموال الواردة من الخارج، فإن توقف هذه الإيرادات زاد من الأزمة الاقتصادية، ما أجبر حكومة أردوغان على اتباع استراتيجية مالية قائمة على ورود الأموال من الخارج أياً كان مصدرها، وقانون منح الجنسية مقابل 250 ألف دولار بالنسبة الى تركيا التي تعتبر بين أكبر 20 اقتصاداً على مستوى العالم خير دليل على ذلك، إضافة لقوانين عدم السؤال عن مصدر الأموال الواردة التي أدت إلى تدفق مليارات الدولارات إلى تركيا، جزء كبير منها أموال سوداء".
 
ويضيف غوندوغدو: "تبييض هذه الأموال يحتاج إلى استخدام أشخاص مثل كوركماز وغيره، ونعتقد أن السلطات كانت على دراية بهذه العمليات، لكنها غضّت الطرف عنها بطريقة ما، ولا نعرف حجم تورط أردوغان في هذه القضية حالياً، لكننا نرى صوراً لشركاء كوركماز، مثلاً من الأخوين كينغستن وغيرهما مع الرئيس (أردوغان) في الإنترنت، لذلك يمكننا القول إنه مع بدء محاكمة كوركماز، فإن مرحلة صعبة بدأت بالنسبة الى سلطة حزب العدالة والتنمية الحاكمة".
 
وتتهم المحاكم الأميركية كوركماز باستخدم أموال الولايات المتحدة للاستثمار في شركات مختلفة، وشراء شركتي الأدوية Biofarma و Münir Şahin في تركيا، وشركتي التكنولوجيا Setap و Blane وإنشاء صندوق تنموي ضخم، وشركتي Bukombin  و Bugaraj اللتين استُخدمتا لاحقاً للاستحواذ على  Borajetوشركة الطيران Aydın Jet التي غيّرت اسمها لاحقاً إلى "SBK Air".
 
كما تتهم المحاكم ذاتها كوركماز باستخدامه هذه الأموال لشراء فندق في تركيا، ومستشفى، وفندقين في سويسرا، ويخت يسمى "الملكة آن"، وشركة طيران، وطائرة وفيلا، وقارب في مضيق البوسفور في تركيا.
 
وتطالب الولايات المتحدة كوركماز بإعادة الأصول التي حصل عليها عن طريق الاحتيال إلى وزارة الخزانة الأميركية، ومصادرة الشركات والأصول المملوكة لشركة كوركماز، بما في ذلك SBK Holding الموجودة في تركيا.
 
 
لقراءة الجزء الأوّل الضغط على الرابط أدناه:
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم