إعلان

ليس مناسبة دينيّة فقط... هو كل شيء

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
ربع مليون مؤمن في المسجد الأقصى في ليلة القدر
ربع مليون مؤمن في المسجد الأقصى في ليلة القدر
A+ A-
ليلة الأربعاء الماضي وصل إلى القدس نحو 250 ألف فلسطيني وفلسطينية للصلاة في المسجد الأقصى. هي "ليلة القدر"، هذا يحدث في كل سنة، يزحف عشرات آلاف الفلسطينيين نحو حواجز الاحتلال من الجنوب والشمال ومن داخل الخط الأخضر، بحيث تغرق هذه الحواجز في طوفان الناس الذين يصعدون من قرى الضفة ومناطق الـ48 ومخيماتها وبلداتها نحو المدينة، نحو الليلة التي تتحول إلى مكان، يتداخل كل شيء ويتجمع في تلك النيّة الموحدة المتفق عليها. ثمة اتفاق مضمر يتراكم طوال العام ليتحقق بالضبط في هذه الليلة، في متوالية تجدد نفسها عبر قرون طويلة، حيث تقف ليلة السابع والعشرين من رمضان مثل لافتة في تدافع الأيام.
 
تحاول سلطات الاحتلال منذ أكثر من خمسين سنة محاصرة هذه الليلة، وتسييجها بقوانين وإجراءات، واعتقالها داخل تلك الإجراءات وخلف حواجز تتكاثر من دون توقف، وقوانين غريبة تحدد أعداد الذين يحق لهم الوصول إلى البلدة القديمة وأعمارهم وسلوكهم ومناطقهم في عملية حرمان متدرجة، ولكن معظمهم يتمكن من الوصول.
 
الشاب الثلاثيني من طولكرم في شمال الضفة يقول لمندوبة الفضائية: "بدأت محاولاتي الدخول إلى المدينة منذ الفجر، كانت الحواجز تردني كل مرة، الشروط لا تنطبق علي، والمسموح لهم بالمرور فقط الذين يحملون "تصاريح" ممن تزيد أعمارهم على الخمسين، ليس لدي خمسون سنة ولا أملك تصريحاً، "التصاريح" أيضاً سياج لمحاصرة المكان والليلة، في المحاولة الرابعة تمكنت من التسلل رفقة مجموعة من النساء القادمات من قرى الخليل في الجنوب"، يواصل الشاب من طولكرم.
 
فشلت إجراءات الاحتلال في محاولة الحد من قاصدي القدس تلك الليلة، منع الرجال ممن تقل أعمارهم عن الخمسين ونظام التصاريح لمن تزيد أعمارهم عن ذلك، إغلاق المداخل ونصب الحواجز في كل زاوية من زوايا المدينة القديمة، محاولة إغراق المدينة بالشرطة والجيش، ثلاثة آلاف رجل شرطة يحيطون ببوابات المسجد والأزقة الضيقة المؤدية إليه، إضافة إلى المستعربين والمستوطنين.. ولكن ربع مليون استطاعوا الوصول وهم يحملون سحورهم البسيط وأدعيتهم التي احتفظوا بها طوال العام لهذه الليلة.
 
قبل أيام، وفي "سبت النور" غير بعيد من المسجد، شهدت الطرق الضيقة المؤدية إلى كنيسة القيامة في البلدة القديمة مواجهات عنيفة مع حواجز الشرطة والجيش الإسرائيلي، المسيحيون الفلسطينيون الذين تدفقوا على الأزقة المرصوفة وأقواسها الحجرية المؤدية إلى بوابة الكنيسة، كانوا يلوّحون بقناديلهم في الطريق إلى النور الذي سيفيض من الكنيسة ليحملوه إلى بيوتهم، الاحتلال لا يعنيه النور، لا نور ليلة القدر ولا نور السبت، فقد جرى تحديد عدد المسموح لهم بالدخول إلى الكنيسة، بينما بقي الآلاف أمام الحواجز وفي مواجهة بنادق الشرطة الاحتلالية وعصيّها، ومن بينهم حجاج وصلوا من بلاد بعيدة، العنف الذي مارسته الشرطة على الحواجز كسر تلك الفكرة الباهتة التي زجّها الاحتلال في مخيلة البعض حول "التعامل الخاص" مع المسيحيين الفلسطينيين، لقد شمل الاعتداء الجميع، الكهنة والحجاج وقاصدي النور، ولكن النور في استعارته المدهشة فاض ووصل إلى الناصرة وقرى الجليل والقرى والبلدات البعيدة في تلال الضفة وبيوتها.
 
يتجاوز الأمر في فلسطين سياج الحدث الديني المحايد، يتسع ليشمل في إشاراته مقاومة الاحتلال، الذهاب إلى القدس مغامرة، والطريق إليها ليس آمناً، والصلاة فيها مخاطرة حقيقية، الوصول إلى أماكن الصلاة محفوف بحواجز الجيش وأسلحته وقنابل الغاز والمستوطنين وفاشيتهم والاعتقال والغرامات الباهظة. ولكنهم يذهبون ويصل الكثيرون في ظاهرة شعبية لا تحدث إلا هنا.
 
تدفع إسرائيل الصراع مع فلسطين وفيها إلى صراع ديني، كان هذا جزءاً من بناء "الدولة"، الدولة التي بررت وجودها والدماء التي سفكتها والمصائر التي حطّمتها، في فلسطين والإقليم، عبر تفسير سياسي لوعد إلهي، الدولة التي أسسها العلمانيون وحكمها المتطرفون من المتدينين، بأفق مغلق وعماء وجودي وثقافة عنصرية جوهرها التفوق، بحيث تحوّلت فكرة "الاختيار الإلهي" إلى هامش لتوضيح الفاشية.
 
الدولة التي هبطت من الميثولوجيا هنا بين أيدي الفاشية الدينية الآن، الجيش والحكومة والبرلمان والرؤوس النووية ونظرية التفوق وصوغ القوانين معاً في حزمة واحدة، تحت مظلة قانون "يهودية الدولة".
 
في "سبت النور" يقتحم الفلسطينيون حواجز الاحتلال ليصلوا إلى النور، وفي ليلة القدر يصل أكثر من ربع مليون يرفعون المدينة في أدعيتهم أعلى من حواجز الاحتلال وأعلام المستوطنين وأسلحة الجيش.
الأمر ليس مناسبة دينية فقط، إنه كل شيء.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم