إعلان

من ينقذ لبنان من نفسه؟

المصدر: النهار العربي
واشنطن- هشام ملحم
العلم اللبناني وبيروت
العلم اللبناني وبيروت
A+ A-
لبنان "على حافة الانهيار"، لبنان في طريقه لأن يصبح "دولة فاشلة"، لبنان يواجه "العاصفة المثلى" - ترجمة العبارة الإنكليزية التي تصف وضعاً كارثياً خطيراً نتيجة تضافر عوامل عدة سلبية للغاية - لبنان يقترب من "نزاع أهلي"، لبنان أصبح "فنزويلا على المتوسط"، لبنان "غير قابل للإصلاح"، لبنان "يشهد تظاهرات، وقطع طرق وإضرابات"، لبنان "يواجه انعدام الأمن الغذائي" - عبارة مهذبة لوصف الجوع. هذه عيّنة من الجمل والعناوين، والعبارات التي تُستخدم في وكالات الأنباء، ونشرات الأخبار وتعليقات المحللين لوصف الأوضاع المتردّية في لبنان منذ خريف 2019.
 
وتحظى الطبقة السياسية – المالية بنعوت وأوصاف تعكس حقيقتها السافرة، مثل "الطبقة الفاسدة"، و"الطبقة المفترسة"، و"الطبقة العبثية"، والبعض يضيف كلمات مثل "الإقطاعية" و"الانتحارية" و"الانغلاقية" لوصف ميول ونزعات حكام لبنان أو الذين نصّبوا أنفسهم أوصياء عليه من سياسيين، وأمراء حرب سابقين وحاليين، ومصرفيين واحتكاريين ورجال دين...
 
كل هذه الأوصاف أو النعوت صحيحة الى حد بعيد، وتعكس حقيقة ما يحدث على الأرض اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً منذ عقود، وإن أصبحت هذه الأوصاف والنعوت سافرة وملحة في الأشهر والأسابيع الماضية مع استمرار الانهيار البطيء الذي يرى الكثيرون في لبنان وخارجه أنه وصل الى مرحلة اللاعودة.
 
هذه هي المرة الأولى التي يواجه فيها لبنان كارثة اقتصادية – مالية، ومأزقاً سياسياً ليس مرشحاً لأي حلول قريبة، مع جائحة لا ترحم، وانفجار هائل من أكبر الانفجارات غير النووية في العالم. هذه الكوارث المجتمعة جاءت على خلفية انحسار اهتمام الدول العربية والأوروبية والولايات المتحدة بلبنان لأسباب عديدة، ليس أقلها عجز الطبقة السياسية اللبنانية الفاسدة عن تحمل مسؤولياتها عن انهيار لبنان، ولاستمرار هيمنة ميليشيا "حزب الله" والقوى الأخرى المتواطئة معه مثل ما يسمى بـ"التيار الوطني الحر" على لبنان. الليرة في انهيار مستمر مقابل الدولار (يتراوح السعر بين 12000 و15000 لليرة مقابل الدولار)... أسعار المواد الغذائية تزداد يومياً، وأحياناً أكثر من مرة في اليوم، البطالة وصلت الى مستويات غير معهودة، وتوفر الأدوية (الغالية أصلاً) لم يعد مضموناً. في الصيف الماضي قدّرت الأمم المتحدة نسبة الفقراء في لبنان بأكثر من 55 في المئة من اللبنانيين، أي ضعف عددهم عن العام الذي سبقه. وقدّرت عدد الذين يعانون الفقر المدقع بـ23 في المئة. وكل المؤشرات تقول إن هذه النسب سوف تزداد وبسرعة، إذا لم تُتخذ إجراءات جذرية وسريعة لوقف الانهيار.
 
وبما أن لبنان دولة لا تنتج معظم ما تستهلكه، وتستورد أكثر من 80 في المئة من حاجاتها، فإن انهيار الليرة أمام الدولار يفسّر الى حد كبير عمق المأزق اللبناني. ممارسات المصرف المركزي المشبوهة وقروضه للسياسيين والتجار اللبنانيين النافذين، وتضليله للمودعين بشأن قوة الليرة وتوفر الاحتياط المالي من العمليات الصعبة، مسؤولة الى حد كبير عن الوضع المالي الكارثي الذي جعل المصارف اللبنانية تتصرف وكأن ودائع اللبنانيين أصبحت رهينة لديها.
 
وعلى الرغم من الغضب الشعبي العارم الذي تُرجم على الأرض بتظاهرات شاملة جلبت الى الشوارع والساحات أعداداً ضخمة من اللبنانيين من مختلف الطبقات والمناطق والمطالبة بمساءلة المسؤولين عن الكارثة ومحاسبتهم، إلا أن كل هذه المحاولات أجهضتها السلطة الحاكمة، وتحديداً "حزب الله" والمتواطئين معه من خلال استخدام البطش والترهيب ومن خلال استغلال الولاءات الطائفية والمذهبية. وحتى الآن لم تتم محاسبة مسؤول واحد سياسي أو مصرفي عن الأوضاع الكارثية. انعدام المسؤولية يبدو نافراً من خلال مراجعة المسرحية العبثية لما يُسمى تشكيل الحكومة الجديدة والاجتماعات والتصريحات والتهديدات المقززة الصادرة عن رئيس الجمهورية ميشال عون، والرئيس المكلف سعد الحريري.
 
هناك من يعوّل في لبنان، في أوساط الطبقة الفاسدة الحاكمة، على الخلاص، ولو الموقت من الخارج. ولكن هؤلاء لا يريدون الاعتراف بأن العالم القريب منهم والبعيد عنهم لا يضع لبنان ومستقبله بين أولوياتهم. وحتى أولئك الذين يريدون مساعدة لبنان، في فرنسا، أو حتى في الولايات المتحدة على سبيل المثال، يواصلون الإصرار – عن حق – على قيام اللبنانيين أنفسهم أولاً بتحمل مسؤولياتهم عن إيصال لبنان الى هذا المأزق التاريخي، واتخاذ بعض الإجراءات الإصلاحية التي تبين وجود الحد الأدنى من الرغبة باعتماد بعض الشفافية في القرارات السياسية والمالية، قبل مطالبة المجتمع الدولي بمساعدة لبنان. هذا "المجتمع الدولي" الذي كان يعوّل عليه لبنان هو عملياً وتقليدياً كان يعني بعض دول الخليج العربية، وبعض الدول الأوروبية، وتحديداً فرنسا، والولايات المتحدة، التي كانت تساعد لبنان في السابق إما مباشرةً أو من خلال المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد والبنك الدوليين. هذه الدول والمؤسسات تعرف جيداً مدى فساد الطبقة السياسية – المالية الحاكمة في لبنان وليس لديها أي أوهام بهذا الشأن. وهذه الأطراف، إذا فكّرت جدياً بالمساعدة، فلأنها لا تريد أن ترى انهياراً أمنياً وسياسياً واجتماعياً شاملاً، يؤدي الى موجة جديدة من اللاجئين، أو الفراغ الذي يمكن أن تملؤه تنظيمات إسلامية إرهابية مثل القاعدة، أو "داعش" وغيرها.
 
هناك حقيقة مؤلمة للبنانيين، وهي أن لبنان لم يعد دولة مهمة في الشرق الأوسط، كما كان في السابق مركزاً ثقافياً يجذب اليه قادة الفكر والفنون في العالم العربي لينشروا مؤلفاتهم، أو لعرض مسرحياتهم وأعمالهم الفنية، أو للدراسة في جامعات لبنان، أو مركزاً سياحياً يجلب اليه ملايين العرب والأوروبيين ليكتشفوا لبنان أو للتعرف على بعضهم البعض في بيروت الليبرالية والكوزموبوليتانية التي كان يعيش فيها آلاف العرب والغربيين. هذا اللبنان المنفتح، قبل هيمنة سوريا و"حزب الله" عليه، هو الذي كان يجلب اليه السياسيين العرب للاصطياف أو لإرسال أبنائهم للدراسة في جامعاته، خصوصاً الجامعة الأميركية. هذه العلاقة الحميمة بلبنان من آلاف العرب، خاصة من المشرق من سياسيين ورجال فكر وأعمال، لم تعد موجودة، وبدأت بالانحسار التدريجي مع تضييق الخناق السوري والإيراني عبر "حزب الله" على لبنان. في أكثر من مناسبة، كنت أسمع من وزير الخارجية السعودي الراحل الأمير سعود الفيصل، وهو من أكثر الدبلوماسيين العرب ذكاءً ودماثة خلق، عن اهتمامه الصادق بلبنان، وعن علاقاته الودّية والمتينة مع شخصيات لبنانية عديدة من مختلف الخلفيات. وهذا ما كنت أسمعه من شخصيات سياسية وفكرية إماراتية وكويتية وعراقية وأردنية ومصرية ومغربية كنت ألتقيها في واشنطن أو في مؤتمرات دولية أو في زياراتي للدول العربية. الجيل الجديد من القادة العرب لا يعرف لبنان، ولم يدرس في بيروت الليبرالية، ولا تربطه علاقات صداقة مع شخصيات لبنانية، مثل تلك التي كان يفتخر بها الأمير سعود الفيصل على سبيل المثال.
 
هذا الأمر ينطبق أيضاً على السياسيين والدبلوماسيين الأميركيين الذين تعاملت معهم في العقود الماضية. الرعيل الذي كان يعرف بيروت جيداً، وخاصة أولئك الذين درسوا اللغة العربية في لبنان، ليحضّروا أنفسهم للخدمة في العواصم العربية، أو الذين التحقوا بالجامعة الأميركية، أسسوا علاقات حميمة مع الكثير من اللبنانيين من مختلف القطاعات والخلفيات. دبلوماسيون مثل ريتشارد مورفي، وتالكوت سيلي (من مواليد بيروت)، وديفيد نيوتن، وديفيد ماك، وكريستوفر روس وديفيد ساترفيلد، وديفيد ويلش، ورايان كروكر، وإدوارد دجيرجيان، وجيفري فيلتمان، وبعضهم يجيد العربية بطلاقة، كان لبنان، كدولة وكمجتمع مدني، يعني الكثير لهم. اليوم، معظم المسؤولين الأميركيين المعنيين بلبنان لا يعرفون لبنان كما كان يعرفه أسلافهم ولا تربطهم تلك العلاقات الحميمة التي ربطت الجيل السابق من الدبلوماسيين الأميركيين بالكثير من اللبنانيين. ربطتني علاقات مهنية جيدة مع الرعيل الأول من هؤلاء السفراء والدبلوماسيين، حين غطيت نشاطاتهم في واشنطن، وطوّرت علاقات صداقة قوية مع معظمهم بعد تقاعدهم، وتبين لي من رصدي لعملهم، أن تفانيهم في خدمة بلادهم ومصالحها، لم يمنعهم من تطوير اهتمام حقيقي بمصالح ومستقبل الدول والمجتمعات العربية التي خدموا وعاشوا أو درسوا فيها. هذا الاهتمام الدبلوماسي الأميركي القديم بلبنان انتهى بلا رجعة.
 
اللبنانيون يعيشون اليوم أحلك اللحظات في تاريخهم الحديث، وهم بأمسّ الحاجة الى علاقات إقليمية ودولية سليمة وصحية، ولكن ذلك لم يعد متوفراً، بسبب جشع الزمرة السياسية – الاقتصادية الحاكمة وفسادها، التي ترفض تحمل مسؤولياتها في إيصال لبنان الى الحضيض، وتحديداً بسبب هيمنة "حزب الله" والمتواطئين معه على دولة تشارف على الاحتضار... تُرى، من ينقذ لبنان من نفسه؟
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم