إعلان

"غرام الأفاعي"... لعبة المصالح المشتركة بين إيران و"القاعدة"

المصدر: النهار العربي
عمرو فاروق
سيف العدل وبن لادن
سيف العدل وبن لادن
A+ A-
 لا تزال العلاقة بين إيران وتنظيم "القاعدة"، محيّرة للكثير من السياسيين والمفكرين في ظل اختلاف الأيديولوجية الفكرية والعقائدية المؤسسة لكلا الطرفين، الواقعة بين المذهب السني المتشدد (تكفيري مسلح)، والمذهب الشيعي.

ربما كانت لعبة الأضداد في كواليس السياسة جامعة للكثير من المصالح بين الأطراف المتناقضة والمتنازعة، سعياً الى تحقيق المكاسب عبر علاقة غير مشروعة بين نظام الملالي وأتباع السلفية الجهادية، بناءً على ازدواجية وميكافيلية سياسية، متفقة مع ما يطلق عليه "البراغماتية النفعية". 
العلاقة الاستراتيجية بين "القاعدة" ونظام الملالي، مكّنت طهران من تحقيق معادلة السيطرة على خصومها، وتوسيع امتدادات نفوذ المشروع الصفوي الإيراني، من خلال توظيفهم أدوات فاعلة في معركتها مع الجانب الأميركي على مدار تاريخها المعاصر، مرتدية عباءة المراقب المتواري تماماً عن المشهد.

فلم تكن التصريحات التي أطلقها وزير الخارجية الأميركي السابق، مايك بومبيو، في نادي الصحافة الوطني في واشنطن، حول العلاقة الخفية بين إيران وتنظيم "القاعدة"، سوى محاولة لكشف حقيقة واقع قائم منذ الثورة الخمينية، وما تلاها من أزمنة توطّنت خلالها المصالح المشتركة بين الطرفين، توّجت بتأسيس غرفة عمليات مركزية لتنظيم "القاعدة" داخل طهران منذ عام 2015.

كانت إيران - للمعلومات الاستخباراتية الأميركية - الملاذ الآمن وغرفة العمليات المركزية للتنظيم القاعدي، بعدما منحتهم حرية الحركة والتواصل مع الخارج والداخل، فضلاً عن تغاضيها عن ختم جوزات السفر الخاص بقيادات التنظيم أثناء تنقلهم، ما جعلها في النهابة بمثابة "أفغانستان جديدة".

أخيراً، أعلنت صحيفة "ديلي ميل" البريطانية، أن الجنرال المصري السابق سيف العدل مختبئ في إيران، وأنه تولى سلطة قيادة تنظيم "القاعدة"، في ظل  تواتر الأنباء عن وفاة أيمن الظواهري، وأنه يخطط لإعداد "صيغة جديدة للتنظيم"، من المحتمل أن تجعله في حالة قريبة ومشابهة من وضعيته في عهد أسامة بن لادن.
لم يكن أيضاً خبر اغتيال نائب أيمن الظواهري، "أبو محمد المصري"، في طهران في آب (أغسطس) 2020، الدليل الوحيد على تورط نظام الملالي في دعم تنظيم "القاعدة"، واحتواء قياداته، لكن التقرير "اللجنة الوطنية للتحقيق في الهجمات الإرهابية ضد الولايات المتحدة"، المعروفة بـ(لجنة 11 سبتمبر)، وهي لجنة مستقلة مكوّنة من الحزبين، الجمهوري والديموقراطي أنشئت بموجب قانون أصدره الكونغرس أواخر عام 2002، تضمن تحقيقاً رسمياً عن العلاقة بين النظام الإيراني وتنظيم "القاعدة"، تحت عنوان "مساعدة من حزب الله وإيران للقاعدة".

كانت بداية مرحلة التسعينات - وفقاً للتقرير - بمثابة الترجمة الحقيقية لعقد الشراكة بين تنظيم "القاعدة" ونظام الملالي، في ظل تدريبات جمعت بين كل من عناصر الجهاد المصري، وتنظيم "القاعدة" و"حزب الله" ومئات من الحرس الثوري الإيراني، داخل العمق السوداني.
وكانت أولى ثمرات التعاون القاعدي الإيراني، تمكن "القاعدة" من تفجير مكاتب البعثة الأميركية لتدريب الحرس الوطني السعودي في الرياض، في تشرين الثاني (نوفمبر) 1995، وتفجيرات السفارة الأميركية عام 1998 في كينيا وتنزانيا، وقصف المدمرة الأميركية كول في تشرين الأول (أكتوبر) عام 2000، فضلاً عن تأسيس شبكة تنظيمية لـ"القاعدة" في اليمن، ومنح عناصرها سهولة دخول أراضيها والتنقل بين الحدود الإيرانية الأفغانية دعماً لرجال بن لادن ومشروعهم.

أظهرت وثائق أرشيف وكالة الاستخبارات المركزية التي رُفعت السرية عنها في كانون الثاني (ديسمبر) 2017، وضبطتها في مخبأ "بن لادن" عقب اغتياله في أبوت آباد، العلاقة السرية بين تنظيم "القاعدة" وطهران، وتحدثت 19 ورقة من ضمنها حول دور أجهزة الاستخبارات الإيرانية، في تسهيل إصدار التأشيرات الخاصة لعناصر "القاعدة" المكلفين تنفيذ العمليات، وإيواء أعضاء آخرين في التنظيم. 

كان من بين الوثائق، خطاب كتبه بن لادن عام 2007، شرح فيه مبررات عدم الهجوم على إيران، قائلاً: "إيران هي شرياننا الرئيس الذي يمدنا بالأموال والرجال وقنوات الاتصال، إضافة إلى مسألة الرهائن، ولا يوجد ما يستوجب الحرب مع إيران".
وأكدت الوثائق، أنّ الجهادي أبو حفص الموريتاني (المشرف على التنسيق بين التنظيم وإيران)، كان أول عنصر من تنظيم "القاعدة" يستقر في إيران في كانون الأول 2001، ثم لحق به المسؤول العسكري، سيف العدل في صيف 2002، أحد المخططين للهجمات على السفارات الأميركية، ومن بعده أبو محمد المصري، إلى جانب نجلي أسامة بن لادن، سعد وحمزة. 

من جانب آخر، احتوى التقرير الصادر عن المنظمة الأميركية "متحدون ضد إيران النووية"، على قائمة تفاصيلية بأسماء قادة تنظيم "القاعدة" الذين احتضنتهم إيران على أراضيها، أو سافروا إليها في مهمات واجتماعات عسكرية، في مقدمتهم، أيمن الظواهري الذي ارتبط بعلاقات قديمة مع طهران، إذ كان ضيفاً متكرراً على مسؤوليها في تسعينات القرن الماضي، عندما كان قائداً لتنظيم الجهاد، إذ اجتمع مرات عدة مع وزير الاستخبارات الإيراني آنذاك، علي فلاحيان، وقائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني آنذاك، أحمد وحيدي، إضافة إلى أبو مصعب الزرقاوي الذي التجأ إلى إيران بعد الغزو الأميركي لأفغانستان، فعمل في البداية تحت حماية الحرس الثوري الإيراني ولواء القدس النخبة.
 
كان قاسم سليماني، القائد السابق لوحدة فيلق القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني، بمثابة مسؤول الاتصال بقيادات تنظيم "القاعدة"، وبناءً على ترتيبات مع القيادة الأمنية والعسكرية، سمحت لهم الحكومة الإيرانية بفتح "مكتب تواصل" داخل مدينة مشهد بالقرب من الحدود الإيرانية الأفغانية، لتسهيل وصول "المتطوعين" ونقلهم إلى معسكر "هرات" في أفغانستان الذي أشرف عليه الأردني أبو مصعب الزرقاوي، وفقاً لما كشفه المسؤول العسكري للتنظيم سيف العدل، في مذكراته، من أن تنظيم "القاعدة" افتتح بيوتاً للضيافة في طهران ومشهد، لتسهيل انتقال المقاتلين إلى معسكرات تدريب الزرقاوي، وأن تعليمات صدرت لمفتشي الحدود الإيرانيين بعدم ختم جوازات سفر الجهاديين العابرين إلى أفغانستان. 

ما يؤكد حقيقة تحول طهران ساحة ومتسعاً لقيادات تنظيم "القاعدة" منذ تسعينات القرن الماضي، ما فرضته وزارة الخزانة الأميركية، عام 2016، من عقوبات على 3 من قيادات التنظيم مقيمين في طهران، وصفتهم بمسؤولي التحويلات المالية لتنظيم "القاعدة" في الشرق الأوسط ودول آسيا إلى الشرق الأوسط، وهم: فيصل جاسم، محمد العمري الخالدي، وكان حلقة الوصل بين مجلس الشورى "القاعدة"، وحركة "طالبان باكستان"، ويزرا محمد إبراهيم بيومي، وهو عضو في التنظيم منذ عام 2006 ويقيم في إيران منذ 2014، وتولى جمع التبرعات من إيران وأرسلها الى تنظيم "جبهة النصرة"، فرع "القاعدة" في سوريا، وأبو بكر محمد محمد غمين (مسؤول التمويل والأمور التنظيمية لعناصر "القاعدة" الموجودين في إيران)، وعمل ضمن جهاز الاستخبارات التابع لـ"القاعدة"، قبل انتقاله من باكستان إلى إيران. 

خلال تغريم إيران 6 مليارات دولار، في كانون الثاني (يناير) 2020، وفقاً لأحكام قضائية اتهمت نظام الملالي، بدعم تنظيم "القاعدة" في حوادث 11 أيلول (سبتمبر)، كشفت حيثيات حكم المحكمة الأميركية، أن إيران تورطت في أعمال الإرهاب ودعمتها بصفتها أداة للسياسة الخارجية، وأنها وضعت خططاً طارئة لشن عمليات إرهابية معادية للولايات المتحدة الأميركية، وفي مطلع التسعينات، بعد تنحية التوترات التاريخية بين المسلمين السنة والشيعة جانباً، أقام الزعيم السياسي والديني السوداني حسن الترابي مع القيادة السياسية الإيرانية وأجهزتها الاستخبارية علاقات وثيقة تضمنت روابط شبه عسكرية واستخبارية، لتشكيل جبهة سنية شيعية موحدة ضد الولايات المتحدة والغرب. كما أنه في الوقت الذي تمركز فيه أسامة بن لادن و"القاعدة" في السودان في مطلع التسعينات، دعّم الترابي إنشاء مؤسسة وتحالفاً يجمع بين المعارضة السنية والشيعية للولايات المتحدة والغرب من بينها "حزب الله" اللبناني  في محاولة وافق عليها وانضم لها أسامة بن لادن وأيمن الظواهري زعيما "القاعدة"، وكذلك قيادات إيرانية، وبرغم أن إيران و"حزب الله" ينتميان الى طائفة الشيعة، و"القاعدة" إلى السنة، فإن العلاقات بينهما أظهرت أن الخلافات بين الطائفتين لا تمثل بالضرورة حاجزاً منيعاً أمام التعاون في مجال العمليات الإرهابية. فضلاً عن أن عملاء "القاعدة" سافروا إلى إيران لتلقي تدريبات على استخدام المتفجرات، وعام 1993 تحديداً، اجتمع بن لادن وأيمن الظواهري مع عماد مغنية (أحد القادة العسكريين لحزب الله اللبناني)، ومسؤولين إيرانيين في السودان، لإقامة تحالف للتعاون المشترك ودعم الإرهاب، وأدى الاجتماع الذي عقد في الخرطوم إلى سلسلة من الاتصالات والتدريبات والعمليات المستمرة التي جمعت بين إيران و"حزب الله" و"القاعدة" على مدار مرحلة التسعينات، فضلاً عن أن الحكومة الإيرانية قدمت دعماً مادياً ومباشراً لعملية النقل الخاصة بالإرهابيين الذين نفذوا حوادث 11 أيلول (سبتمبر)، وأصدرت أوامر إلى مراقبي حدودها بعدم وضع أختام مُبَيِّنة على جوازات سفر المنفذين، لتسهيل عمليات تنقلهم.
 
بعض الوثائق التي سربها أحد المراكز البحثية المعنية بمتابعة التنظيمات الإرهابية، أوضحت أن أيمن الظواهري كان مناصراً لفكرة الثورة الإسلامية في إيران، وأن نظام الملالي وافق على أحد المطالب التي طرحها الظواهري في إحدى زياراته السرية لطهران، بدعم وتديب عناصر الجهاد المصري، لإطاحة النظام المصري، والتخطيط لمحاولة انقلاب عسكري ضد الرئيس مبارك عام 1990.

ما يعضد العلاقة بين المذهبين الشيعي والسني القطبي، الإعجاب المتناهي بين المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي، وأفكار سيد قطب، الذي وصفه بـ"المفكر المجاهد"، في مقدمة ترجمته لكتاب "المستقبل لهذا الدين" عام 1966، تحت عنوان "بيان ضد الحضارة الغربية"، فضلاً عن ترجمته كتاب "في ظلال القرآن" أهم مؤلفات قطب.

كما أن طهران آوت عدداً من قادة "الجماعة الإسلامية" المصرية عقب مشاركتهم "تنظيم الجهاد" في اغتيال الرئيس المصري الأسبق أنور السادات، عام 1981، وفي مقدمتهم محمد شوقي الإسلامبولي شقيق خالد الإسلامبولي قاتل السادات، بل أطلقت اسم خالد الإسلامبولي على أحد الميادين الرئيسية في طهران.
اعتبر البعض أن النظام الإيراني عندما سمح لقيادات تنظيم "القاعدة" بدخول أراضيه، فإنه رغب في توظيفهم أوراق ضغط أو تفاوض ضد الإدارة الأميركية والأنظمة العربية الحاكمة، ما دفع الرئيس الأميركي حينها، جورج بوش، للقول في أحد خطاباته إن إيران تمثل "جزءاً من محور الشر"، بعدما فتحت أبوابها أمام قيادات تنظيم "القاعدة"، وأتاحت لهم فرصة التجول في البلاد بحرية لم تكن موجودة من قبل، وسكنوا في زاهدان وشيراز ومشهد وطهران وكرج ومدن أخرى.




الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم