إعلان

العقوبات قد تلطّف تصعيد بوتين خوفاً من تحويلها روسيا إلى إيران

المصدر: النهار العربي
راغدة درغام
راغدة درغام
بوتين
بوتين
A+ A-
اضطرّ الرئيس الأميركي جو بايدن لمواجهة الوهن في سياسة "الدبلوماسية القصوى" التي ظنّها البديل الأفضل لنهج "الضغوط القصوى" لسلفه دونالد ترامب، فتحدّى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بسيف العقوبات المدمِّرة والتموضع العسكري لوقف روسيا عن غزو أوكرانيا أو التوغّل داخلها.
 
القيادة الروسيّة قلقة ومنقسمة بين من يشجّع بوتين على استخدام الأجوبة الأميركية والأوروبية على مطالبه كمدخل لنزع الفتيل وتجنّب العقوبات، ومن يحذّره من عواقب الانصياع الى المماطلة الدبلوماسية، لأن فرصة إيقاف قطار توسيع عضوية حلف شمال الأطلسي (ناتو) ستفوّت ولن تتوفّر مرة أخرى قبل عشرين أو ثلاثين سنة. القرار صعب والقلق جدّي. حلفاء روسيا أيضاً يراقبون عن كثب. الصين لا تريد أي إجراءات تؤثّر في الألعاب الأولمبية مطلع الشهر المقبل، على نسق الانفجار في دونباس أو غير ذلك.
 
الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي تشدّ ظهرها بروسيا، لا سيّما في المعاهدة pact التي يقوم الطرفان بإعدادها لتنفيذ التعاون العسكري والنفطي والاستراتيجي كحليفين، إنما تجد نفسها في حال قلق لأن العقوبات على روسيا ستكبّل مشاريع إيران التوسعية وأحلام النظام في طهران بالمجد الفارسي.
 
لنبدأ بإيران التي يتأرجح قادتها بين الثقة العارمة نتيجة تحالفها مع روسيا والصين، والتوتّر خوفاً من انهيار المحادثات النووية في فيينا، ما يؤدّي الى عدم رفع العقوبات. طهران تخشى انحدار الاهتمام بالملف الإيراني الى مرتبة ثانوية إزاء التطورات بين روسيا وأعضاء الناتو بسبب الأزمة الأوكرانية. إنها تُراقب بتوتر الحركة السياسية والدبلوماسية في منطقة الشرق الأوسط والخليج دعماً لدولة الإمارات العربية المتحدة في ضوء الاعتداءات الحوثية، وكذلك كجزء من سياسة الانفتاح الاماراتي والخليجي العربي على صفحات جديدة في العلاقات مع دول الغرب والشرق والمنطقة.
 
فهي ليست مرتاحة للتقارب بين تركيا والإمارات، بما في ذلك تبادل الزيارات بين قادة الدولتين، وآخرها زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أبوظبي، إضافة الى زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي العاصمة الإماراتية. طهران غاضبة من المبادرة الخليجية العربية التي حملها وزير خارجية الكويت الشيخ أحمد بن ناصر الصباح الى لبنان، لكنها تتظاهر بأنها لا تبالي باعتبار لبنان مِلكاً لها عبر حليفها "حزب الله" المهيمن على القرار السياسي.
 
المقترحات الخليجية العربية على لبنان منطقية في زمن اللامنطق واللاإنصاف للناس من قِبل الزمرة السياسية والمنظومة الفاسدة والجشعة المتحكّمة بلبنان. البعض وصف بنوداً في المقترحات بأنها تعجيزية، لأنها تجرّأت وتحدّثت عن ضرورة تنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بسيادة لبنان وبسط سلطته على كامل أراضيه، ما يعني احتواء سلاح "حزب الله". "حزب الله" يرفض تنفيذ القرارات، لا سيّما 1559، لكنه يلتزم بالقرار 1701 الذي نظّم وطوّق المواجهة العسكرية بينه وبين إسرائيل. لكن 1701 ينصّ حرفياً على الدعوة الى تطبيق القرار 1559، بما يقطع طريق التحايل للفصل بين الاثنين. واقع الأمر أن موافقة "حزب الله" على القرار 1701 تعني اعترافه بشرعية القرار 1559. لكنّ هذا حديثاً آخر.
 
المهم أن بنود المقترحات الخليجية المنطقية تفتقد آليات النجاح ما لم تتطوّر بإجراءات استباقية أذكى من اكتفاء الزمرة السياسية بالتلاعب على المبادرة من دون رفضها صراحة، أو تمزيقها. هذه الزمرة، مثلاً، تفقِّر الناس عمداً لتتمكّن من شراء أصواتهم عند الانتخابات المزمع إجراؤها في أيار (مايو) المقبل. في إمكان المبادرة الخليجية التفكير بآليات لإحباط هذه الزمرة وخططها من خلال تفعيل صناديق الدعم الخليجي للناس مثلاً، كي ينتخبوا كما يشاؤون وليس بحسب الرشوة الحزبية أو الشخصية بسبب الفقر والجوع والحاجة. هناك حاجة للتشاور ضمن مجموعات بحث خليجية - لبنانية للتفكير خارج الصندوق. هناك مؤسسات فكريّة في مختلف أنحاء العالم تفهم لغة الآليات يمكن أن تقدّم خبراتها لتفعيلٍ منطقي وعملي للمقترحات الخليجية وفق استراتيجية متكاملة.
 
فلا يكفي التقدّم بمقترحات بنّاءة وتركها في أيدي زمرة التدمير والدمار. وليس في المصلحة الخليجية أو اللبنانية أن تتحوّل المبادرة الخليجية الى فعل "كان" وكأنها مجرّد طرح لرفع العتب. إنها مبادرة إنقاذ لبنان من المصير الذي رسمه له حكامه، إما عمداً، أو غباءً، أو بموجب تعليمات على نسق تلك التي يتلقاها "حزب الله" من "الحرس الثوري" الذي يتحكم بالجمهورية الإسلامية الإيرانية، ويسعى الى تصدير نموذجه ليتحكّم بالدول العربية، من لبنان الى سوريا الى العراق الى اليمن، وهدفه تدمير السيادة وبسط عقيدته الثيوقراطية.
 
روسيا تفهم وتتفهّم الحاجة الإيرانية الى بسط نفوذها وسيطرتها الإقليمية عبر تصدير نموذج "الحرس الثوري"، بل لعلّ الأمر يلائمها لأن شريكها الاستراتيجي يملك الأدوات. إدارة بايدن تدرك وتغضّ النظر عمداً عن خطورة ما تقوم به إيران إقليمياً، مع أنها بدأت التفكير مجدّداً بعواقب الصمت والتغطية على أفعال إيران، إما في مياه الخليج، أو ضد أمن الإمارات، أو في اليمن، وفي سوريا ولبنان.
 
الجديد هو أن إدارة بايدن اضطرت الى إعطاء الأولوية لملف أوكرانيا وحلف شمال الأطلسي بسبب خطورة ما تقوم به روسيا، وبالتالي بات الملف النووي الإيراني في الدرجة الثانية بالرغم من أهميته. وبحسب مصدر مطّلع، تريد إدارة بايدن الآن إطالة prolong محادثات فيينا للتركيز على أوكرانيا. وهذا لا يعجب طهران. أين هي محادثات فيينا الآن؟ الجواب يختلف من طرف الى آخر، وهذا يعني على الأقل أن لا اتفاق الآن. طهران تخشى الإطالة خوفاً من أن تؤثر أزمة أوكرانيا واقتراب الانتخابات النصفية الأميركية في إدارة بايدن، فيطير الاندفاع، ويطير معه رفع العقوبات.
 
العقوبات - تلك الأداة الأساسية في سياسة "الضغوط القصوى" التي اعتمدتها إدارة ترامب - باتت عنصراً أساسياً في إعادة إدارة بايدن النظر في سياسة "الدبلوماسية القصوى" التي ظنّت أنها مُجدِية قبل اندلاع الأزمة الأوكرانية، فعادت العقوبات بزخم كجزء من السياسة الأميركية.
 
فلاديمير بوتين يفهم أثر فرض العقوبات الأميركية والأوروبية المدمِّر لاقتصاد روسيا وللمجتمع الروسي. ذلك أن تمزّق الاستقرار الاجتماعي أمر يخشاه بوتين كثيراً. وما يهدّد به الغرب من عقوبات على روسيا إذا تعنّت الرئيس الروسي ورفض الخروج من الزاوية التي زجّ نفسه فيها، فإن نوعية العقوبات الأميركية والأوروبية ستؤثّر في الفرد الروسي داخلياً وفي مشاريعه خارج البلاد. إجراءات "سويفت" SWIFT مثلاً ستؤدّي الى عدم تمكن روسيا من استلام الأموال من الخارج مقابل صادراتها ولا دفع الأموال مقابل وارداتها، وبالتالي سيتأثر اقتصادها "من الأحذية الى الصواريخ"، يحسب قول أحد الروس. عدم القدرة على استخدام بطاقات credit card سيحرم الروس من السفر "وماذا ستكون ردود فعل 5 ملايين روسي يسافرون سنوياً الى تركيا؟".
 
اجتماعياً، ستتحوّل روسيا إيران أخرى، إذا وقعت تحت العقوبات التي تتوعّد بها الولايات المتحدة وأوروبا إذا ما قامت بغزو أوكرانيا. وهذا ليس أمراً سهلاً على فلاديمير بوتين الذي يراقب المزاج  الداخلي بحذر. لذلك، يخشى الرئيس الروسي من تطوّر الأمور الى أزمة خطيرة تؤدّي الى العقوبات وتدمّر اقتصاد روسيا كما تدمّر مشاريعه. لذلك يفكّر بخياراته ملياً.
 
أجوبة الولايات المتحدة وحلف الناتو هذا الأسبوع على إصراره على عدم إدخال أوكرانيا عضواً في الناتو، وعدم توسيع عضوية الحلف واتخاذ إجراءات انسحابية للناتو من الجيرة الروسية، هي أجوبة غير مُرضية لبوتين وللمؤسسة العسكرية. إنها عبارة عن "رفضٍ راقٍ" Sophisticated rejection، بحسب قول المصدر الروسي، وضع روسيا في مأزق وفرض عليها أجندة محادثات لن يكون منطقياً لها رفضها.
 
يقول المصدر إن هناك رأيين داخل الحكومة الروسية، أحدهما يدعو الى الاعتراف بفشل السياسة الروسية التصعيدية، والى التوقف عن الإجراءات العسكرية، فيما تنتقل الأجواء من الأزمة العسكرية الى محادثات دبلوماسية يقودها وزير الخارجية سيرغي لافروف البارع في تحويل الفشل نجاحاً، عبر الزعم أن هذا تماماً ما سعت وراءه روسيا منذ البداية: فرض بدء عملية تفاوض أرادتها موسكو أصلاً. وهكذا تتوفّر صيغة إنقاذ ماء الوجه وتتحوّل العلاقة من مواجهة الى محادثات.
 
الرأي الآخر تقوده المؤسسة العسكرية، يذكّر فلاديمير بوتين بوعده بأنه سيصدّ أوكرانيا عن الانتماء الى حلف شمال الأطلسي مهما كان مهدّداً بإجراءات عسكرية إذا لزم الأمر. يشير هذا الرأي الى أن الغرب رفض رفضاً قاطعاً كل ما طالب به فلاديمير بوتين جملةً وتفصيلاً، وذلك بتجاهله كل ما طرحه. وهذا يعني أن الغرب "صد الباب" وأن روسيا لن تتمكن من طرح مسألة عضوية أوكرانيا أو غيرها في حلف الناتو قبل عشرين سنة.
 
ما تريده المؤسسة العسكرية هو التصعيد في دونباس، زناد الانفجار الكبير، زيادة عدد الغواصات النووية بقرب المياه الأميركية، وإرسال الصواريخ الى الحلفاء في أميركا اللاتينية. ففي دونباس يغيب المنطق عن الساحة، حيث 129 ألف عسكري أوكراني، و60 ألفاً من "ميليشيات الشعب" التابعة لروسيا وخلفها 110 آلاف جندي روسي، وحيث "مواء قط" قد يشعل الساحة، قال المصدر.
 
ماذا سيقرّر الرئيس فلاديمير بوتين؟ هذا هو السؤال، لا سيّما أن لا أحد يعمل حقاً على إيجاد حلول أمنية لدونباس، وأنه يقع بين منطق الخارجية الروسية وبين اندفاع المؤسسة العسكرية. إنه أصعب قرار على فلاديمير بوتين قد يضطر الى اتخاذه قبل مغادرته لزيارة الصين في 3 شباط (فبراير). فالبلاد متأهّبة للاستماع اليه وسط انقسام داخلي حول الخيارات.
 
انتماء أوكرانيا الى حلف الناتو يهدّد روسيا، ولكن، حسبما قال أحد الخبراء الروس "لقد دخلت إستونيا ولاتفيا وليتوانيا الى حلف الناتو، ولم يحدث لنا شيء" بالرغم من أن سان بطرسبرغ على بُعد مجرد مئات الكيلومترات.
 
فماذا سيفعل فلاديمير بوتين بتوعّده؟ هل سيختار الدبلوماسية لإنقاذ ماء الوجه وتجنّب العقوبات المدمرة، أم أنه سيغامر؟ لنر.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم