إعلان

كورونا وقصة الاقتصاد المغربي!

المصدر: النهار العربي
عادل بن حمزة
عادل بن حمزة
تجارة الفوسفات المغربي
تجارة الفوسفات المغربي
A+ A-
أطلق العاهل المغربي الملك محمد السادس الحملة الوطنية للتلقيح ضد فيروس كوفيد-19 بداية من أمس الخميس، ليكون المغرب بذلك أول بلد أفريقي يطلق حملة وطنية للتلقيح ضد الفيروس، برغم التأخر الذي عرفته هذه العملية بالنظر إلى التعقيدات التي تعرفها عملية الحصول على اللقاحات، والتي تتّسم بالمضاربات والاعتبارات السياسية. وفي السياق نفسه، عمل المغرب على تمديد حالة الطوارئ الصحية، إضافة إلى عدد من التدابير والإجراءات التي تخص توقيف بعض الأنشطة الاقتصادية، إما كلياً أو جزئياً، تبعاً للحالة الوبائية، وتبرير ذلك ببساطة هو أن المغرب دولة لا تتحمل أن تصل الحالة الوبائية فيها إلى مستوى يتم معه اختبار قطاعه الصحي في درجة أدائه القصوى، لذلك يبقى الحل الأمثل هو الوقاية وتنفيذ الإجراءات الاحترازية الضرورية، لكن ما هو أثر ذلك في الاقتصاد والناس الذين تحملوا الخسائر منذ بداية الجائحة، فهل يمكن للاقتصاد المغربي الصمود وفق خصوصياته المتعددة؟

الاقتصاد المغربي له قصة تستحق أن تروى، إذ تشكل في ظل تبعية مفرطة نتيجة سنوات الاحتلال الفرنسي، وقد أثر هذا الواقع في تأخر بروز قطاع خاص مبادر، إذ إن النموذج الاقتصادي الذي رسخته فرنسا كان يتمحور أساساً حول اقتصاد ريعي تبعي يلبي حاجات الصناعات الفرنسية من المواد الأولية. فالمقيم العام الفرنسي الماريشال ليوطي كان يرغب في أن يتسم الاقتصاد المغربي بالتبعية لفرنسا.

لقد كانت الحاجة ملحة بالنسبة الى دولة الاستقلال أن تترسخ عبر نفوذ متزايد للقطاع العمومي، ولم تكن هذه العملية ترتبط فقط بسد عجز القطاع الخاص، بل كانت لها أهداف أخرى ترتبط، فضلاً عن تحقيق التنمية الاقتصادية، بالضبط السياسي والتحكم في تشكيل المجتمع الجديد والنخب الصاعدة في دولة الاستقلال، وكان هذا التدخل من الزاوية التي تنظر إلى البنية الاقتصادية كما يقول الراحل إدريس بنعلي .."كوعد للتقدم، وذلك يؤدي بالدولة إلى لعب دور المنتج والناشر للعلاقات السلعية. وفي الوقت نفسه ضامنها. فالاقتصاد تتكفل به إدارة ممركزة، وينظر إليه كمورد لتطوير المجتمع وإرساء التعددية السياسية، وموكولة له أيضاً وظيفة إضفاء المشروعية". ويضيف بنعلي أنه "أمام التأخر التكنولوجي والضعف المؤثر في العنصر البشري الذي كان خارج دائرة اهتمام المستعمر الفرنسي الذي رعى استغلال 7% من السكان الأوروبيين لنحو 30% من خيرات البلاد، وعبر احتكار نحو 3 ملايين هكتار من الأراضي الخصبة، فيما كان أكثر من 3 ملايين و600 ألف فلاح مغربي من دون ملكية".

لقد أصبحت الدولة بعد الاستقلال المقاول الرقم واحداً، ففي نهاية الثمانينات كانت الدولة تملك أو تساهم مساهمةً رئيسية في نحو  962 مقاولة تنشط في مختلف مجالات النشاط الاقتصادي، من الفوسفات إلى المصارف والفنادق، وصولاً إلى توزيع الجرائد، باختصار كان المغرب يعيش عملياً رأسمالية الدولة، وظل القطاع الخاص قطاعاً هامشياً، فالبعض اعتبر أن نمو القطاع العمومي في تلك الفترة كان ضمن ثقافة ليبرالية سادت مرحلة الستينات، تعتبر الأمر يدخل في إطار تجسيد للسيادة الوطنية، بخاصة في قطاعات الفلاحة، الصناعات الرئيسية، قطاع المصارف والتأمينات، قطاع الصادرات... وهذا الوضع كان يخدم مصلحة القطاع الخاص الناشئ على هامش رأسمالية الدولة، بل اعتبر الأمر ضرورياً ما دام القطاع الخاص غير قادر على النهوض بالاقتصاد، فعملت الدولة وفق مخططات مركزية محددة الأهداف.

بعد ذلك سيدخل المغرب مرحلة التقويم الهيكلي، حيث نموذج الدولة التابعة للمؤسسات المالية الدولية، وذلك لاعتبارات عدة ووقائع طبعت الحالة الاقتصادية الوطنية والدولية، كان من بينها الخطاب الذي روّج له الثّنائي ريغان وتاتشر، والذي كان يقوم على "الحد الأدنى من الدولة". وعلى المستوى الوطني، ارتبط الأمر بانهيار أسعار الفوسفات والارتفاع الصاروخي في أسعار النفط، وهو ما دفع في اتجاه تقديم المبررات والاجتهادات "النظرية" للتفكير في خروج الدولة من عدد من القطاعات، البعض منها كان يستوجب ذلك، لكن البعض الآخر كان خطأً استراتيجياً يُدفع ثمنه اليوم، بخاصة القطاعات التي لم تكن تعيش منافسة وتعتبر مصيرية بالنسبة الى الأمن الاقتصادي للبلاد، ليس أقلها شركة "لاسامير" مصفاة النفط الوحيدة في البلد...

بعد مرحلة الخصصة الموجهة (...) ستنهج الدولة سياسة المخططات القطاعية وتشجيع الاستثمار، ووضعت هدفاً لولوج نادي الدول الصاعدة، لكن هل أسعفنا الواقع في تحقيق ذلك؟ في كل الدول النامية وتلك السائرة في طريق النمو، عملت الدولة على خلق أبطال وطنيين في مختلف القطاعات الاقتصادية، وبصفة خاصة القطاعات التي تحمل قيمة مضافة كبيرة للاقتصاد الوطني، وهناك قصص نجاح كثيرة على المستوى الدولي يمكن أن تكون مرجعاً في هذا الصدد، الشيء الوحيد الذي لم تلجأ إليه تلك الدول، هو أن تجعل من الاحتكار وسيلة لبناء تلك الأقطاب، بل سارعت إلى حماية المنافسة ودعم الرأسمال الوطني والإنتاج الوطني في مواجهة المنافسة غير العادلة، أياً كان مصدرها. الاحتكار في المنطق الاقتصادي يقتل المنافسة، وعندما تغيب المنافسة، يصبح من العبث الحديث عن اقتصاد السوق والمناخ الليبرالي للأعمال، فهل تشكل جائحة كورونا والنقاش حول نموذج تنموي جديد، فرصة لمراجعة هذا الواقع؟ حيث اقتصاد وطني يملك هامشاً واسعاً من الاستقلالية وأساساً القدرة على تلبية الحاجيات الوطنية مع دور مركزي للدولة التي عليها أن تستعيد دورها الاجتماعي كدولة رعاية.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم