إعلان

تذكّر "الحكيم" وبيروت ومحاكمة الفساد

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
جورج حبش
جورج حبش
A+ A-
قبل أيام، في 26 كانون الثاني (يناير) مرت الذكرى الـ13 لرحيل الدكتور جورج حبش، أحد مؤسسي حركة القوميين العرب، ومؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين1967 وأمينها العام حتى عام 2000، حين قرر التخلي، في سابقة، عن موقعه التنظيمي وتفرغ للإشراف على مركز للدراسات والأبحاث.
 
على بعد مئات الأمتار من منزلي في حي الطيرة في رام الله، أنجزت البلدية منذ سنوات بناء دوار يطل على الساحل الفلسطيني ومدينة اللد، الدوار بسيط جداً والمساحة صغيرة، ثمة نافورة في وسط الدوار، لا تعمل دائماً، وزهور يبذل عمال البلدية جهداً واضحاً في محاولات الحفاظ عليها، أمام الموقع المكشوف للريح القادمة من البحر وعبث الأطفال ومجاميع المراهقين التي اختارت المكان للتجمع.
 
يصل بين وقت وآخر أشخاص في طريقهم الى المطعم المجاور، ويصل أطفال مع عائلاتهم للعب بمياه النافورة عندما تعمل، ويصعد فتيان وفتيات الشارع المتفرع من الدوار حيث مشهد التلال وكروم الزيتون الممتدة حتى خط البحر، في الليل يمكن تأمل خريطة أضواء للطرق السريعة ومدن الساحل، هذا هو دوار جورج حبش.
 
الفلسطينيون يحبّون جورج حبش، يرون فيه شخصاً يشبههم، ويجدون أنفسهم في سيرته الشخصية التي توزعت على المنافي العربية المحيطة بفلسطين، بيروت، دمشق، عمان، وهو الذي رفض محاولات عودته المشروطة الى الضفة الغربية بعد اتفاقيات أوسلو. لقد تم التخفف من الخلافات التي يمكن أن تنشأ حول المواقف السياسية منذ وقت طويل، وانتهى الجدل في عمليات خطف الطائرات والحدة في رفض المناورات السياسية لقيادة منظمة التحرير، والخلافات حول تكتيكات ياسر عرفات ونزعته "البراغماتية"، انحسر التصنيف الذي ساد في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، ولم يعد اليمين يميناً ولا اليسار يساراً، فقط صمدت صورة الرجل العنيد الرقيق الذي بكى في المجلس الوطني وهو يمسك بيد ياسر عرفات ليلة إعلان الدولة في الجزائر.
 
سيتحوّل الرجل منذ تخليه الهادئ عن موقعه التنظيمي وعودته الى حياته "الطبيعية" التي لم يعشها منذ وصوله الى بيروت عام 1944 وحتى مغادرته موقع الأمين العام للجبهة الشعبية 2000، ما يشبه أيقونة نزيهة ونموذجاً للنزاهة الثورية. 
من الصعب الحصول على إجماع حول قائد كما يحدث عند استحضار سيرة "الحكيم"، كما اتفق الفلسطينيون أن يسمّوه.
 
طبيب الأطفال تخرّج في الجامعة الأميركية في بيروت، حيث كانت الأسر الميسورة والطبقة الوسطى الفلسطينية ترسل أولادها للدراسة كجزء من تقاليد محفوظة، بحيث تبدو "بيروت" جزءاً أساسياً من صفاتها كطبقة. كان ثمة "بيروت" دائماً بانتظار الأولاد الذين يخرجون من بيوتهم بعد الدراسة الثانوية نحوها، و"بيروت" أخرى لأهل الشمال، و"بيروت" ثالثة لمن يحب، يمكن تذكر محمود درويش في هذا السياق:
"كأننا أسلافنا نأتي الى بيروت كي نأتي الى بيروت".
 
الفتى القادم من أسرة مسيحية من الروم الأرثوذوكس من اللد، لم يكتف خلال إقامته في بيروت التي واصل اللجوء اليها بعد كل محطة من محطات حياته، بدراسة الطب، كان معنياً أيضاً بتلقي أفكار "قسطنطين زريق" التي ستترك أثراً عميقاً في توجهاته في ما بعد.
 
تذكر "جورج حبش" يذهب في كل مرة نحو قيمة النزاهة ونظافة اليد والصلابة، لا يتفق الجميع مع الفكر السياسي والانفتاح المدني الذي حمله الحكيم، ولكنهم يتجمعون حول الصفاء الوطني والتواضع والدفء الإنساني التي تمتع بها الرجل ورافقته الى آخر لحظاته.
 
تذكّر جورج حبش يبدو أيضاً وسيلة لعقاب شرائح واسعة من النخبة السياسية الفلسطينية، نوعاً من المحاكمة عبر المقارنة، وهو ما يحدث الآن بينما تتلاحق التسريبات حول قوائم الانتخابات التي صدرت مراسيمها عن المقاطعة في العشرين من كانون الثاني (يناير)، إذ تتحوّل الذكرى جلسة قصاص سنوية، أقرب الى تقليد، في محاسبة نظرية لظاهرة الفساد والارتزاق والتشبث المحزن بالمواقع والسعي المثير للشفقة نحو مقاعد الصف الأول.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم