إعلان

هل يتحالف قيس سعيد مع "النهضة" بوساطة قطرية؟

المصدر: النهار العربي
كوثر زنطور
الرئيس التونسي قيس سعيد وأمير قطر الشيخ تميم.(رويترز)
الرئيس التونسي قيس سعيد وأمير قطر الشيخ تميم.(رويترز)
A+ A-
يترقّب الجميع في تونس موقف رئيس الجمهورية قيس سعيد حول حالة الانفلات الخطيرة في عدد من المحافظات والقطاعات، ويحذرون من "انفجار اجتماعي" يقول البعض منهم إنه بات وشيكاً، وإنه قد يؤدي هذه المرة الى انهيار الدولة وليس النظام مثلما حصل في ثورة 14 كانون الثاني (يناير) 2011.
 
وفي الحقيقة، يأتي هذا الترقب لموقف الرئيس نظراً الى الدعوات الملحة التي يتلقاها منذ أسابيع لقيادة حوار اجتماعي واقتصادي يحدد أولويات المرحلة ويؤسس لخريطة طريق لإنقاذ البلاد التي تعيش أزمة متعددة الأبعاد، مالية واقتصادية واجتماعية وسياسية وصحية. ولقيس سعيد شرعية قيادة هذا الحوار باعتباره لا يزال يتصدّر منذ عام طليعة الشخصيات التي يثق بها التونسيون، بحسب مختلف النتائح بعد سبر الآراء المحلية.
 
لكن مع الإلحاح، يلزم قيس سعيد الصمت حول ما فتح من أبواب التساؤل وحتى الاتهامات المباشرة لساكن قرطاج، بين من يقول إن زيارته الأخيرة لقطر التي التقى خلالها الأمير تميم قد تكون جعلته يعيد ترتيب أوراقه استعداداً لـ"التوافق" مع رئيس "حركة النهضة" الإسلامية والبرلمان التونسي راشد الغنوشي بوساطة قطرية، ومن يؤكد أن ما يحدث في البلاد يتقاطع مع مشروعه السياسي الذي يقوم على "إعادة التأسيس" لبناء جمهورية ثالثة وأنه يساند الاحتجاج لتماهيه مع شعاره الانتخابي "الشعب يريد"، خصوصاً فكرة تقرير المصير.
 
أصحاب "نظرية" وجود وساطة قطرية لهم حججهم، وانطلقت بتأويلات في هذا الاتجاه بخلو الزيارة من أي منجز يُذكر، وازدادت حدّتها مع تصريح مُربك لأحد مستشاري الرئيس سعيد في الدائرة الدبلوماسية التابعة لرئاسة الجمهورية، أكد فيه أن الزيارة كانت "لإرساء الثقة بين الأمير تميم ورئيس الجمهورية التونسية قيس سعيد". مخضرمون في الشأن الدبلوماسي استغربوا التصريح وانتقدوه بشدة. طالت الانتقادات تحديداً ما يوحي به كلام المستشار من وضع رئيس "تحت الاختبار" وتقييد مشاريع توقيع 18 اتفاقية اقتصادية في الأساس لتنفيذ "شروط أو تعليمات" من باب الدعم مقابل إنهاء الخصومة السياسية مع الغنوشي والنهضة.
 
هذا الطرح له ما يدعمه، فقطر متهمة في تونس من قبل أحزاب المعارضة بالتدخل في الشأن الداخلي التونسي وبدعم النهضة للبقاء في الحكم، وهي معنية خصوصاً بما يدور في الجارة ليبيا من تطورات. بخلاف هذا كان لقطر وأميرها وللغنوشي أيضاً سجل في "الوساطات" واستقطاب حلفاء "النهضة" مثلما حصل تحديداً في الخماسية السابقة، وفتحت وقتها الأبواب في قطر وتركيا لنجل رئيس الجمهورية الراحل حافظ قايد السبسي الذي باتت له استثمارات في الدولتين، وأيضاً إقامة دائمة في تركيا.
 
السؤال اليوم: هل سنشهد استنساخاً لتجربة "الغنوشي والرئيس الراحل الباجي" اللذين تحالفا بعدما كانا ألدّ خصمين بوساطات دولية، ومنها قطرية وتركية؟ الأمر يبدو أصعب مع رئيس تونس الحالي الذي راهن على معارضة صريحة لـ"النهضة" وزعيمها، ولوّح حتى بالمحاسبة، وآخرها كان في لقاء جمعه بممثلين عن هياكل القضاء أشار فيه الى قضايا ثقيلة تراوح مكانها في المحاكم، وإلى الاتهامات الخطيرة المتبادلة بين شخصيتين نافذتين في القضاء، منهما من هو محسوب على النهضة ومتهم من قبل أعلى سلطة قضائية في البلاد بالتستر والتلاعب بملفي اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي.
 
مصدر قريب من دوائر السلطة، وأحد أهم لاعبيها، أكد لـ"النهار العربي" أن "الأمير تميم لم يطرح وساطة بين الغنوشي ورئيس الجمهورية قيس سعيد" وأنه "دعا الى استقرار في الحكم في تونس"، وذكر بأن "الاستثمار يتطلب مناخاً سياسياً يتّسم بالاستقرار بمؤسسات دولة متكاملة ومتضامنة وقوية"، في إشارة واضحة الى حالة التشظي الكبير الذي عرفته السلطة التنفيذية وما تشهده العلاقات بين رئاستي الحكومة والجمهورية والبرلمان من تنافر، وغياب التنسيق بسبب خلافات حادة وصراعات للسيطرة على مراكز الحكم.
 
مع هذا، هناك مؤشرات استجدت مباشرة بعد زيارة الرئيس قيس سعيد لقطر توحي بوجود نوع من الهدنة بين سعيد والغنوشي أو على الأقل التهدئة، منها اتصال هاتفي حول التمديد لحالة الطوارئ و"مغازلات" وجهها رئيس حركة النهضة في حواره مع قناة "الجزيرة" القطرية للرئيس سعيد، وتجنب قيادات النهضة ونوابها انتقاد الرئيس وأعضاء ديوانه الرئاسي عكس ما كانت عليه الحال خلال الأشهر القليلة الماضية وحتى الأسابيع الأخيرة.
 
إلا أن هذه الوساطة تقابلها دعوات ملحة للرئيس سعيد تقودها شخصيات في المعارضة ومنظمات وطنية للإمساك بزمام الأمور لتشكيل جبهة سياسية يتزعمها سعيد لإدارة المرحلة المقبلة عبر حوار اقتصادي واجتماعي وسياسي يفتح كل الملفات، بما فيها القانون الانتخابي والنظام السياسي، مروراً بمطالبة سعيد بالمحاسبة وبتوظيف الأجهزة التي تحت إمرته في هذا الاتجاه، إلى دعوته لتفعيل الفصل 80 من الدستور الذي يجعل قيس سعيد الحاكم بأمره في البلاد.
 
علاوة على تحركات المعارضة، والمعلوم أنها معارضة وازنة في البرلمان وتساند اليوم الاحتجاجات التي يشهدها عدد من المحافظات، لم يخف الأمين العام لاتحاد الشغل نور الدين الطبوبي، وهو من أعرق المنظمات، وجود مبادرة قيد التنسيق مع رئاسة الجمهورية، تكتّم على تفاصيلها، وأكد في المقابل أن المشاركة فيها عبر حوار ستنظمه الرئاسة التونسية لن تكون مفتوحة لكل الأطراف، وأنه ستستثنى منها "مكوّنات سياسية بعينها".
 
هذا الاستثناء قد يشمل شمولاً شبه مؤكد "ائتلاف الكرامة" الكتلة البرلمانية المتشددة والمحسوبة كإحدى أذرع النهضة، فيما اعتبر وزير الدولة السابق محمد عبو في تصريحات أثارت جدلاً واسعاً في تونس، أن الحوار أصبح "عبثياً" وأن الأمر أصبح يتطلب المواجهة بين الفاسدين وقوى الخير، وأن الرئيس قيس سعيد قادر على حسم هذه المعركة، مشدداً على أن مكان النهضة وقلب تونس هو السجن.
 
ماذا سيفعل الرئيس سعيد؟ هذا هو السؤال الأكثر إلحاحاً في الأوساط السياسية التونسية، فهل سيكون هو "منقذ" النهضة مثلما فعل الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي؟ لتفلت الحركة بذلك من المحاسبة عن مسؤولية ما آلت اليه الأوضاع في السنوات العشر التي تلت الثورة، أم أنه سيكون في الصف المقابل؟ وأين يقف الآخرون مطالبين بالإنجاز وبإنهاء مرحلة التوافق المغشوش، خصوصاً سياسة الإفلات من العقاب؟
 
أيام قليلة ستكون كفيلة بالإجابة عن هذا السؤال، ربما يوم 17 كانون الأول (ديسمبر) المقبل تاريخ انطلاق الثورة التونسية وتنتهي معه التكهنات بخصوص موقف قيس سعيد الذي يجد نفسه بين معارضة شرسة تطالب بالمحاسبة وبفتح الملفات، ووسط محافظات وقطاعات غاضبة محتجة وما يسمى أيضاً بإكراهات السلطة التي قد تجرّ قيس سعيد الى تحالف مصلحي مع "النهضة" ...
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم