إعلان

تونس: العبور الى جوهر الأزمات

المصدر: النهار العربي
أسامة رمضاني  
تونس
تونس
A+ A-
تواصل الطبقة السياسية في تونس التعبير عن انشغالاتها وانقساماتها، على خلفية الأزمة المستمرة منذ قرار الرئيس قيس سعيد اللجوء إلى الفصل 80 من الدستور من أجل تعليق عمل البرلمان وإعفاء رئيس الحكومة من مهامه. ورغم المساندة الشعبية التي لا تزال تحظى بها مبادرة سعيد، فإن الانقسامات بين مكوّنات النخبة توسعت، بعد إصدار رئيس الجمهورية في 22 أيلول (سبتمبر) الأمر الرئاسي 117 الذي أعلن من خلاله الصلاحيات الواسعة التي سوف يتحملها بتجميعه للسلطتين التنفيذية والتشريعية في يديه، كخطوة نحو تأسيس منظومة سياسية يرتئيها، مختلفة عن تلك التي قررت مصير البلاد منذ 2011.

يبدو أن الطريق نحو اتضاح ملامح هذه المنظومة واستقرار الأوضاع في تونس ما زالت طويلة. ومعها سيتواصل الجدل السياسي والقانوني حول الشرعية والمشروعية في قرارات سعيد ومآل التجربة الديموقراطية في البلاد.   

من المطمئن نسبياً أن الجدل استمر هادئاً وسلمياً حتى الآن، رغم تظاهر مساندي سعيد ومعارضيه في الشارع نفسه، شارع بورقيبة في العاصمة تونس، للأسبوع الثاني على التوالي، في استعراض رمزي للعضلات. كرّست التظاهرات قدرة التونسيين على التعايش رغم اختلاف مشاربهم. كما أظهرت الأعداد المحدودة نسبياً للمشاركين فيها عزوف الأغلبية عن الجدل الذي يثير اهتمام النخبة السياسية.  

 يعيش التونسي حياته عاديةً، بخاصة أن ضبابية المشهد السياسي لم تمنع الإدارات الحكومية من مواصلة أداء مهامها، بالرغم من غياب تشكيلة حكومية متكاملة ورئيس للوزراء يتولى قيادتها. استطاعت هذه الإدارات تأمين الخدمات الأساسية، بما في ذلك تسيير الجهد الصحي الاستثنائي الذي مكّن البلاد من احتواء جائحة كورونا، بخاصة بعد حملة التضامن العربية والدولية مع تونس.  
 
دواعي الارتياح والتفاؤل تقف عند هذا الحد  
أكيد أن سعيد حسم لفائدته الصراع على السلطة. ولكنه مع توسع رقعة الصلاحيات تتوسع أيضاً المسؤولية، وفي هذه الحالة مسؤوليته الشخصية في إدارة الأزمة التونسية المتعددة الأضلع. 
 
فهو الذي سوف يعين أعضاء الحكومة ويختار رئيسها، وإن كان سيشرف على عملها بنفسه. سيكون في حل من مراقبة أي مؤسسة تشريعية أو هيئة لمراقبة القوانين. ولكنه لن يكون في حل من المساءلة عن النتائج الفعلية لحكمه.
 
ويبقى السؤال الأساسي هو حول قدرته وقدرة الفريق المرافق له على معالجة جوهر الأزمة التونسية الذي كان ولا يزال منذ 2011 اقتصادياً واجتماعياً.  

تفاقمت معظم المؤشرات السلبية خلال عقد كامل من الزمن، من ركود اقتصادي وزيادة في نسبة البطالة واتساع نسبة الفقر، مقابل انحسار الطبقة الوسطى. كانت المظاهر المتنوعة لانخرام التوازنات وما انجر عن ذلك بالنسبة الى المواطن العادي من جملة العوامل التي شكلت في نهاية المطاف العنصر المحدد في فقدان الثقة بالنخبة الحاكمة من جانب الجمهور الواسع. وكانت بالتالي العنصر المحدد في ترحيب أغلبية هذا الجمهور، حتى الآن، بحل سعيد البرلمان وإقالة رئيس الحكومة. وكانت كفيلة بجعل الناس يعتبرون المؤسستين التشريعية والحكومية عنواناً للفشل في تحقيق انتقال اقتصادي واجتماعي يرافق الانتقال السياسي. لم تتقدم عربة الانتقال الاقتصادي والاجتماعي قيد أنملة، حتى قبل أن تتعطب عربة الانتقال السياسي. 

بقيت المؤسستان أسيرتين للحسابات الحزبية، وبالخصوص الرغبة التي كانت تحدو "حركة النهضة" وحلفاءها في التحكم  بدواليب الحكم من دون الظهور بالضرورة في الواجهة، حسابات لم تترك مساحة كافية لإصلاح الاقتصاد أو معالجة جذور الاحتجاجات الاجتماعية.
 
مهما كانت درجة الاهتمام بالتجاذبات السياسية بين أنصار سعيد ومعارضيه، فإن الامتحان الأهم لرئيس الجمهورية سوف يكون مدى قدرته على مواجهة الاستحقاقات الملحّة القائمة، مثل العجز في الموازنة والتعامل مع آجال تسديد الديون الخارجية، بما يشمل التفاوض مع المانحين وعلى رأسهم صندوق النقد الدولي. 

 على المدى المتوسط والبعيد، ستكون أمام المنظومة الجديدة التي سيرسي أسسها سعيد ضرورة إدخال جملة من الإصلاحات الكبرى تحتاجها البلاد. وتتضمن المراجعة الكاملة لمنظومات التعليم والتشغيل والصحة والرعاية الاجتماعية والبنية الأساسية وغيرها، بما يوفر المرافق والخدمات لسائر المواطنين من دون تمييز بين الجهات. 

 وهي إصلاحات غفلت عنها الطبقة السياسية بحكوماتها المتعاقبة، رغم أن مناطق الخلل في كل هذه المنظومات شكلت الأرضية السياسية والمجتمعية لانهيار نظام بن علي، وبعده لنظام الحكم السائد خلال الفترة الانتقالية منذ 2011.

يضيف الخبير الاقتصادي التونسي راضي المدب تحديات البيئة والثورة الرقمية. إلى مجمل التحديات القائمة على المدى البعيد.
 
فمسألة التغير المناخي لم تعد مسألة نظرية أمام تفاقم مظاهر شح الموارد المائية. كما أن تحرير الاقتصاد والمبادرة الفردية من ربقة البيروقراطية لن يكون أمراً يسيراً من دون المرور إلى مرحلة للرقمنة تتجاوز الشعارات. 

تحقيق كل هذه الأهداف هو أصل العقد الاجتماعي الجديد الذي كان أمل أجيال من المحتجين. ولكنه ضاع في متاهات الصراعات السياسية وقصر النظر لدى أصحاب القرار. تغيرت الأنظمة وتغيرت الظروف، ولكن الفئات المتضررة من عدم تجسيد هذا العقد الاجتماعي المنشود لا تزال غير مستعدة للتسليم بأن ذلك قدرها. ما زال الكثيرون من أفرادها مستعدين للنزول إلى الشارع إن تواصل تيه الطبقة السياسية، سواء كان ناتجاً من قلة التجربة أم من غياب الرؤية او كليهما.

 رغم تغير قوانين اللعبة السياسية جذرياً منذ 25 تموز (يوليو)، وبخاصة إفلاتها من قبضة الأحزاب، يبقى نجاح الحكومة في رفع مجمل التحديات القائمة رهين كفاءة أعضائها وبقائهم في مناصبهم ما يكفي من الوقت لوضع استراتجيات الإصلاح اللازمة وتنفيذها. عكس ذلك، يعني بقاء البلاد في حلقة مفرغة من الفشل الحكومي والإحباط الشعبي، ما يعني تفاقم عدم الاستقرار وفتح أبواب المستقبل على المجهول.   

ليس هناك ريب في أن جانباً كبيراً من الأداء الحكومي القادم سيكون رهين حسن استعداد الأطراف الأجنبية المؤثرة لمساعدة تونس. لا يمكن لصاحب عقل أن ينكر مظاهر الدعم الإقليمي والدولي الذي تلقته تونس منذ استقلالها وخلال العقد الأخير بالذات، ولكن كثيرين يخشون أن تلقي التوترات الداخلية بظلالها على مواقف الأطراف الخارجية في ملفات عدة، مثل تلك المتعلقة بمعالجة الديون أو تشحيع الاستثمارات. الخشية أيضاً أن تنعكس التجاذبات الداخلية على قدرة تونس في الانخراط في مسار إعادة الإعمار في ليبيا المجاورة، وما يعنيه ذلك لتونس من خلق فرص جديدة لفرص للتشغيل وإنعاش العلاقات الاقتصادية. 

مهما كان مصير التجاذبات السياسية، فإن تونس تحتاج إلى انطلاقة سريعة من أجل رفع تحديات اقتصادها المتأزم ودرء ارتداداته الاجتماعية. كما تحتاج إلى إصلاح منظومات انتهت مدة صلاحيتها.

وذلك سوف يتطلب قبل كل شيء وعياً من ساستها، سواء من هم في السلطة أم خارجها، بأن صبر الشارع على تكرر الفترات الانتقالية التي لا تنتهي هو صبر قابل للنفاد إذا كانت النتائج المحققة مناقضة للشعارات والوعود. 

بالنسبة الى الأغلبية، لا معنى للسياسة إن لم تغير شيئاً في حياة المواطن. وما لم يفهم الساسة التونسيون أن مواطنيهم ليسوا استثناءً عن القاعدة فسيبقى ضجيجهم محصوراً في شارع بورقيبة.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم