إعلان

السياسة البسيطة في زمن اللغة والانتظار

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
الإتفاق الإماراتي الإسرائيلي
الإتفاق الإماراتي الإسرائيلي
A+ A-
محاولة عزل "الإعلان الثلاثي" بين إسرائيل والإمارات وأميركا، عن التحولات التي تشهدها المنطقة العربية منذ عقود، واختزاله في محصلة لسنوات "الربيع العربي"، والتعامل مع "اتفاقية سلام" بين دولتين تفصل بينهما مئات الأميال ولا تربطهما حدود مشتركة أو مياه أو تاريخ من الحروب، بمعزل عن ورشة التفكيك المتدحرجة التي تجتاح المنطقة، وتعيد ترتيبها وبناء تحالفاتها ومصالحها، أو حصر الأمر بجدولة جديدة للتحالفات نشأت بسبب ظروف طارئة، سيبدو ساذجاً وبلاغياً الى أبعد الحدود.


القوى الصغيرة التي كانت غائبة عندما نشأ الصراع العربي - الصهيوني في الإقليم، وتلك التي لم تكن موجودة حين ترسخت تقاليده عبر حروب طويلة مع "دول الطوق"، الكيانات التي التحقت بنوع من التسليم بمنظومة التقاليد التي فرضها المركز، تتقدم من الهامش نحو المركز الذي يتحطم من دون رأفة.
الأطراف البعيدة تتحرر الآن من جاذبية المركز ونفوذه وتتجول بحرية أكثر.


الأمر أكثر شمولاً وعمقاً من إعادة "جدولة التحالفات"، ثمة ورشة استبدال تنهض منذ عقود يحركها اقتصاد قوي وفائض ريع وطموحات نفوذ، تشمل استبدال الحواضر عبر الاستقطاب الثقافي واستدراج النخب، وثمة مركز تشكل في الأطراف خارج البلاغة التي راكمها الصراع، وهو يتقدم منذ عقود ويلقي بظلاله على مصير المنطقة وأحلام قاطنيها ومصائرهم، بقدر أقل من الأيديولوجيا، وبحد أدنى من المجاز القومي الذي حدد "الثوابت" ورتب نوبات الحراسة حولها.

 

كانت خسارة "بيروت" في سبعينات القرن الماضي وتراجع نفوذها، بكل ما تعنيه من قوة جذب وبلاغة واستقطاب وهيمنة ثقافية شكلت الحاضرة التي يقدمها المركز للمحيط، وانتقال ثقل الحاضرة الكبرى بحمولات مختلفة نحو حواضر الأطراف الناشئة، وتعويض التاريخ بالاقتصاد والجغرافيا بالتكنولوجيا، كانت تلك إشارة عميقة على ملامح الزمن القادم الذي يتقدم الآن.


منذ بداية عقد السبعينات بدأ الانهيار، وتعزز بعد حرب تشرين (أكتوبر)  التي ألقت عن كاهل الأنظمة "الوطنية" عبء الهزيمة، وحررت منظومة "الدعم" هامشية الدور الثاني، وتعمق في الحرب الأهلية اللبنانية التي انغمست فيها القوى المعبرة عن ايديولوجيا المشرق، كان واضحاً أن الأمر سيجري على هذا النحو، بعد خسارة الحاضرة سيتآكل النظام.


من دون البحث عن أي "مؤامرة" تحت الطاولة، سيكتشف الشخص الجالس بكمامة على مقهى برام الله وهو يتابع دورية الاحتلال التي عبرت قبل قليل، الدور الذي تلعبه إسرائيل في هذا الانتقال، الدور الذي يسعي ويتنفس وينضج تحت البساط وتحت الطاولة، والذي سيخرجها من توصيف "قوة الاحتلال" الى دور "الشريك" الرئيسي والمقرر في المنطقة، ويسمح لها بتحديد اصطفافات القوى على الأرض، وربط مصالح المحور بنفوذها لدى الإدارة الأميركية أولاً، وقوتها العسكرية والاقتصادية ثانياً.


كما يمكن المتابع، الشخص الجالس على المقهى بكمامة نفسه، قراءة انعكاسات هذا الدور على الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي وعلى خط سير الدورية التي عبرت قبل قليل، وعلى قضايا الحل النهائي المتآكلة، وأن يلاحظ بقلبه الطيب، التراجع المهين للشأن الفلسطيني نحو الهامش.

 

في هذا السياق يمكن وضع اتفاق التطبيع بين إسرائيل ودولة الإمارات كأحد تجليات الدور الإسرائيلي الجديد.

 

لذلك سيبدو خارج السياق و"مفاجئاً" إعلان أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير صائب عريقات، "أنهم" في قيادة المنظمة "فوجئوا" بالخطوة الإماراتية، ثم إحالة "المفاجأة" الى القطيعة القائمة بين المنظمة والإمارات منذ عام 2014. 


إحالة المقصود منها ترميم فكرة "لم نكن نعلم"، الا أنها عززت بقوة واقع العزلة الذي تعيشه القيادة الفلسطينية وانفصالها عن التحولات العميقة التي تجري حولها وفي محيطها.

 

قطيعة، أياً كانت أسبابها، كان يمكن التعامل معها ضمن أكثر من صيغة، من دون المساومة على الموقف الوطني، لأكثر من عامل، منها أن الإمارات دولة مركزية في الخليج، إضافة الى أنها تستضيف جالية فلسطينية كبيرة تتشكل من مختلف التجمعات الفلسطينية، لبنان وسوريا والأردن وفلسطين، وهي من أكثر الجاليات الفلسطينية نشاطاً وحيوية وثقافة وإنتاجاً.


كاستكمال منطقي "للمفاجأة" تأتي الدعوة الى اجتماع طارئ للجامعة العربية التي تؤثث منذ سنوات طويلة موكبها الجنائزي الطويل الممتد من ليبيا الى سوريا واليمن، ومؤخراً في تداعيات انفجار بيروت واكتفاء أمينها العام، الذي وصل متأخراً كالعادة، باقتراح المشاركة في التحقيق.

 

دعوة الجامعة العربية لاجتماع طارئ، تم تجاهلها كما كان متوقعاً، ولكنها عززت فكرة "الزمن الآخر" الذي تواصل قيادة المنظمة المراوحة فيه سياسياً.

 

الزمن الذي يقع في حقبة يشكل فيها "العمق العربي" والجامعة العربية وشبكة مؤسساتها، ومنظومة المعايير التي تحكم علاقة المحيط بإسرائيل جداراً يمكن الثقة به، زمن تشكل من الرغبات والحنين وليس من حقائق الواقع، زمن بلاغي تشكل في اللغة والانتظار.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم