إعلان

فستان حبيبة وجاهليّة القرن العشرين

المصدر: النهار العربي
عمرو فاروق
حبيبة طارق
حبيبة طارق
A+ A-
انتفضت الدولة المصرية في الساعات الماضية ضد واقعة تنمر شهدتها جامعة طنطا (شمال القاهرة)، ضد الطالبة حبيبة طارق، الفتاة التي لم تتخط العشرين من عمرها بسبب ارتدائها فستاناً أثناء تأديتها الامتحانات النهائية في كلية الآداب، من عدد من مراقبي اللجان الذين ينتمون شكلاً ومضموناً الى التيارات الأصولية.
 
 
انتابتني حالة من الاستغراب الشديد من إعلان عدد من المؤسسات الإعلامية والثقافية والتعليمية والتربوية والدينية انزعاجها مما حدث مع الطالبة حبيبة طارق، وكأنها كانت في معزل عما دار في عمق الشارع المصري، والمنطقة العربية عامةً، على مدار أكثر من  70 عاماً مضت، تبدلت فيها الهوية الفكرية والثقافية للمكونات الاجتماعية.
 
 
مؤسسات كان الأجدر بها أن تقوم بعمليات كاشفة وممنهجة في تشريح المجتمع، واستبيان أمراضه وعلله التي تبلورت في ظل أنظمة سياسية هشة ومتآكلة ومتواهنة (السادت ــ مبارك)، عجزت عن وضع أطر لمشاريع المواجهة الفكرية للجماعات الأصولية، فتجنبتها تارة خوفاً من الاتهام بالعلمانية والإلحاد ومزاعم تخريب ثوابت الدين، وتارة أخرى وظفتها وتلاعبت بها لصناعة توازنات سياسياً، فخلقت منها رقماً مهماً في معادلة الحكم للدولة المصرية.
فلم يكن غريباً أن تشارك تلك المؤسسات (تاريخياً)، في إرهاب كل من نادى بتجديد الخطاب الديني، في ضوء قراءة عصرية لمقاصد الشريعة، تستند الى تحرير النص الديني من قيود التبعية للماضي، والأمثلة على ذلك كثيرة، بداية من الشيخ علي عبد الرازق، والشيخ عبد المتعال الصعيدي، والدكتور خالد محمد خالد، والدكتور محمد يوسف موسى، والدكتور فرج فودة، والدكتور نصر حامد أبو زيد، وغيرهم.
 
 
تحت شعار "ضد التنظيم وليس ضد الدعوة"، التي تبنتها الأجهزة المعنية في الدولة، تعرض المجتمع المصري، لحالة من التغريب واستبدال الهوية الفكرية والسلوكية منذ السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، في ظل التأثر والتشرب من وعاء نظريات "الاستعلاء الإيماني"، وأبجديات "جاهلية القرن العشرين"، على يد جماعة الإخوان والسلفية الجهادية، وأطروحات "المفاصلة لمبادئ التوحيد الخالص"، التي أسس لها محمد بن عبد الوهاب، ورموز السلفية التقليدية.
 
 
حقاً ما حدث للطالبة حبيبة طارق، لا يعد سوى حصاد ما زرع في أوطاننا على مدار سنوات طويلة، تُركت فيها الداوئر المجتمعية للجماعات الأصولية التي وضعت على عاتقها محاولات "أسلمة المجتمع"، وإجراء عمليات تغريبية على المستوى الفكري والثقافي، وتبني أطروحات أيديولوجية متعارضة مع المنهجية الوسطية للشرع الحنيف، وفرض نمطية فكرية وسلوكية على المرأة في طريقة تعاملها مع قرارتها المصيرية، والانكفاء والانغلاق على وضعية تصورها كائناً ثانوياً فاقداً الأهلية، وممنوعاً من ممارسة طقوسه الحياتية بالكامل. 
 
 
تمكنت الجماعات الأصولية من خلق "حواضن اجتماعية" لمشروعها الفكري من دون وضع فرضية الانتماء التنظيمي أو الارتباط المباشر برموزها وقياداتها، من خلال "الاستقطاب الفكري"، و"الاستمالة النفسية" للقطاعات المجتمعية، والتأثر بأدبياتها، واتخاذها منهجاً فكرياً وسلوكياً وثقافياً عن بعد.
 
 
كانت المرأة حاضرة بقوة في المخيلة الفكرية للجماعات الأصولية، رغم التحفظ على دورها التنظيمي، ووضعها في نطاق ماهية توظيفية حركية محددة في إطار الأهداف المرحلية، ولكونها الحلقة الأضعف مجتمعياً وقعت بسهولة في شباك الجماعات الأصولية التي احتضنتها، من خلال تحقيق الاستمالة للأطروحات الفكرية والمذهبية العقائدية، التي تشكل العقلية الفاعلة والمهيمنة على سلطة التنظيم والجماعة.
 
 
منحت جماعة الإخوان المسلمين الأقاليم والريف المصري، أهمية قصوى في خطتها لاختراق المجتمع، من خلال استراتيجية بناء "الدولة البديلة"، أو "الدولة الموازية"، التي تضع  نفسها بديلاً لمؤسسات الدولة على المستوى الاجتماعي والفكري والخدمي، في احتواء الطبقات المهمشة، واستثمار وجودهم لصناعة دوائر تعاطفية مع المشروع الإخواني.
 
 
السلوك المشين للمراقبة المنتقبة، لا يمثل سوى نتاج استفحال نظرية "جاهلية القرن العشرين" التي صاغ بنودها سيد قطب، ونظّر لها شقيقه محمد قطب، الذي لعب دوراً في نشر منطلقاتها بين دول الخليج والمنطقة العربية، وكانت مظلة لإرساء منهجية التكفير والعنف، والتجرؤ على المسلمين، والطعن في عقيدتهم، وفي ظلها تحولت بعض الطبقات المجتمعية بتنوعاتها الثقافية في المدن والأقاليم المصرية، "محاكم تفتيش"، تتمتع بأحقية اقتحام خصوصيات الآخرين، والتفتيش في ضمائرهم  ونياتهم، وتصنع من نفسها حراساً على عقيدتهم وإيمانهم. 
 
 
ما فعلته "المراقبة المنتقبة" مع الطالبة حبيبة طارق، في قلب جامعة طنطا، لا يقل فرضية عن "محاكم التفتيش" التي فرضت نفسها في الشارع المصري خلال مرحلة التسعينات من القرن الماضي، من قبل الجماعة الإسلامية وتنظيمات الجهاد، تحت مسمى "لجان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، التي مارست دوراً على المواطنين وحياتهم السلوكية اليومية، بحجة تطبيق الشريعة وحدودها، في تعارض مع دور الدولة الوطنية وأجهزتها التنفيذية في ضبط الشارع وفقاً لأسس المواطنة، وليس لمعاير تعصبية طائفية.
 
 
لم تكن تلك الطبقات "الداعشية الهوى" وليدة اللحظة أو حالة حداثية طارئة، لكنها صنعت على أعين الجماعات الأصولية، وتشكل وعيها وفهمها متأثراً بتوجهاتها المذهبية، وتبدلت معاييرها الفكرية تحديداً منذ سبعينات القرن الماضي، في ظل انتشار ما يعرف بـ"تيار الصحوة الإسلامية".
 
 
 
هذه الطبقات المجتمعية "المستأنسة داعشياً"، كثيراً ما تردد أن ارتداء الحجاب والنقاب والاهتمام بالمظهر الخارجي، في إطار قناعتها الدينية، يدخل في نطاق الحرية الشخصية التي يكفلها الدستور والقانون، لكن تجدها تنتفض سريعاً ضد المرأة غير المحجبة والتي ترتدي ملابس تخالف أدبياتها الفكرية، طعناً في سمعتها وشرفها وعقيدتها وإيمانها، فضلاً عن قذفها بأبشع المسميات والصفات تحت غطاء التدين.
 
 
فرضت تلك الدوائر البشرية فكرها الداعشي وسلوكها المتطرف في محطيها الجغرافي والاجتماعي، فوجهت سهام النقد والتجريج للفتيات غير المحجبات، وجعلت منهن رمزاً للسمعة السيئة، والانحلال الأخلاقي، بينما تحولت المحجبات والمنتقبات إلى رمز للعفة والطهارة والنقاء، في حالة أقرب إلى التقديس التام للسلوك الظاهري، الذي يتميز ويتشدد به دعاة التيارات السلفية، في تغافل لجوهر الحالة الدينية ومدى تحققها في العمق النفسي.
 
 
حاولت تلك الدوائر المجتمعية المتشددة دينياً، فرض توجهاتها الفكرية على المجتمع، واتهام كل من يخالف رؤيتها ومنطلقاتها بالردة، في محاذاة واضحة قياسياً لجماعات "التوقف والتبين"، "والتكفير والهجرة"، وتيارات "السلفية الجهادية" التي تتخذ من الشك وسيلة للطعن في عقيدة الآخرين وإيمانهم، ولا تتحرج في تكفيرهم واستباحة دمائهم، انطلاقاً من فكرة "الأبوية الدينية"، التي تسيطر على سلوكها، وتمنحها أحقية الأخذ على أيدي من يعارض توجهاتها الدينية.
 
اتخذت تلك الدوائر الداعشية، التدين الظاهري، وسيلة لتمرير أغراض نفسية دفينة (مرضياً)، ربما بدافع تحقيق الذات، والخروج من دائرة التهميش، أو بمحاولة فرض وجهات نظرها على الآخرين، والتحكم في مصيرهم ومستقبلهم، وانتقاد طريقتهم في التعاطي مع الحياة.
 
 هذه المكنونات الفكرية تحولت عملياً ثوابت مجتمعية في طبقات عريضة في المدن والقرى المصرية، يتغلغل بعضها بقوة في مفاصل المؤسسات الرسمية والحيوية والجهاز الإداري للدولة، ما يعني أن ما حدث مع حبيبة طارق يحدث كل يوم، وسيحدث طالما أن الفكر المتطرف ما زال مترسخاً ومتشابكاً، في ظل تمدد هادئ نسبياً للتيارات السلفية، التي لا تجد من يعوق تناميها، وزحفها الخفي القابض على تلابيب المجتمع.
 
 
في واقع الأمر، لم تتجاوز ملابس حبيبة طارق، المقبول والنمط السائد مجتمعياً في الشارع المصري، لكن استثمار بعض المواقف من قبل متطرفي الهوى، بات شهوة للإعلان عن انتماءاتهم والتفريج عن رغباتهم المكبوتة، التي ربما لم تعد سوى "غيرة شخصية" غُلفت في إطار ديني، وظفت فيها الأدوات والأدبيات المذهبية، للانتقام من فتاة في مقتبل عمرها وحياتها لخروجها عن الإطار العام الفكري الذي تنتهجه المراقبة المنتقبة.
 
 
أظن، وظني حسن، أن بعض الدوائر المتطرفة، في حاجة ماسة إلى معالجة نفسية قبل الدخول بها إلى ساحة "المراجعة الفكرية" التي لا يمكن التغاضي عنها، للتخلص من العقد النفسية المركبة التي تكونت لديها في ظل اعتقادات واهية بأنها "الفئة الناجية"، أو "الجماعة المختارة" و"أهل الاصطفاء"، ولديها من الإيمان والتزكية الروحية التي تستعلي به على غيرها.
 
 
التنكيل الذي تمارسه تلك الفئات المجتمعية، بسبب الخلاف في التوجهات الفكرية أو المظهر الخارجي، ترجمة حقيقية لواقع مرير يسيطر فيه خطاب ديني متشدد على العقل الجمعي، اشتعلت في نطاقه معارك "الدولة الدينية" و"الدولة المدنية"، فثمة ضرورة ملحة مجتمعياً لتفكيك الأيديولوجية الفكرية للتنظيمات الأصولية، وتفنيد قضاياها والرد على مزاعمها من دون الدخول في جدل فلسفي، تضيع فيه الحقوق ومقاصد الشرع الحنيف، والانتقال من حيز مشروع "أسلمة الدولة"، واغتصاب سلطتها، إلى مشروع تجديد الفكر والعلوم الإنسانية.
 
 
خطاب ديني لا يضع المدنية في إطار الإلحاد، ولا يضع التفكير في مساحة التكفير، ولا يضع التطور الفكري في نطاق الردة والخروج من الملة، خطاب يعتمد على المنطق في استنباط الأدلة الشرعية، وليس الانحصار في دائرة الإتباع والجمود على موروث الماضي، ومنحه سلطان القوة والقداسة على الحاضر المتغير.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم