إعلان

ذكرى التّحرير... من الفاشيّة

المصدر: النهار العربي
د.مكرم رباح
د.مكرم رباح
من استعراض الحزب االسوري القومي الاجتماعي في الحمراء
من استعراض الحزب االسوري القومي الاجتماعي في الحمراء
A+ A-
من سخرية القدر، إن لم نقل المهزلة، أن يحتفل اللبنانيون بذكرى الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني في وقت ينزلق فيه البلد إلى احتلال من نوع آخر ينافس الاحتلال والعقلية الصهيونيين، ويتجاوزهما، ربما، في الفاشية والعدمية اللتين دمرتا بالتكافل والتضامن مع الطغمة الحاكمة مفهوم الدولة وحوّلتا بلاد اللبن والعسل كابوساً يصعب الاستيقاظ منه.
 
خلال الأسبوع المنصرم، صدحت الساحة اللبنانية بعدد من المشاهد التي عكّرت "صفاوة" المشهد السياسي، وأوحت بأن السلاح غير الشرعي هو في حوزة مختلف الأطراف اللبنانيين وليس فقط "حزب الله"، الوكيل الشرعي للحرس الثوري الإيراني على ضفة المتوسط.

المشهد الأول تمثل بقيام شباب تابعين لأحزاب "مسيحية" باعتراض موكب لبعض السوريين المقيمين في لبنان، والمتجهين إلى السفارة السورية في بيروت من أجل الاقتراع في الانتخابات الرئاسية السورية، أو بالأحرى المسرحية التي يلعبها نظام بشار الأسد القاتل على جثث أبناء سوريا.
 
من حيث المبدأ، الاعتراض على المظاهر البعثية ورفع صور وأعلام نظام الأسد هو عمل وطني يستحق الثناء، ليس لأن الأسد مجرم بحق شعبه فقط، بل لأن نظام الأسد "الصغير" متّهم أيضاً بتفجير مسجدَي السلام والتقوى في مدينة طرابلس في صيف 2013، والذي أثبتت التحقيقات القضائية اللبنانية ضلوع ضابطين في المخابرات السورية فيه عبر التخطيط والإشراف. وإلى هذه الجريمة الإرهابية تضاف لائحة لا تنتهي من الجرائم بحق الشعب اللبناني بكل أطيافه، لعل أبرزها المؤامرة التي قادها الوزير اللبناني السابق ميشال سماحة الذي ما زال قابعاً في السجن بتهمة التخطيط لتنفيذ عمليات نقل متفجرات والتحضير لعمليات إرهابية لمصلحة نظام الأسد.
 
السقطة الحقيقية لهولاء الشباب، ومن بينهم الحزبيون، لا تكمن فقط في اللجوء إلى العنف والاعتداء الجسدي على هؤلاء المؤيدين لبشار الأسد، بل في ذهاب الكثيرين منهم إلى شيطنة بقية اللاجئين السوريين في لبنان، واعتبار العيّنة الموجودة أمامهم من شبيحة وأبواق الأسد هي الأكثرية الساحقة من اللاجئين، في حين أن الأكثرية الساحقة منهم تم تهجيرها واحتلال منازلها من قبل النظام السوري والميليشيات الإيرانية التي تقاتل باسمه.
 
مظاهر التشبيح الأسدي في شوارع بيروت هي مجرد عارض زمني، في حين أن المرض الحقيقي يكمن في السلطة الحاكمة، وتحديداً رئيس الجمهورية ميشال عون الذي وصل إلى سدة الحكم بسلاح "حزب الله" وتحالف الأقليات الذي أودى بدوره بالتعددية وبمسيحيي الشرق. ومن هنا، كان يجدر بمناصري "القوات اللبنانية" و"الكتائب" وأهالي طرابلس وكل الغيارى على سيادة لبنان أن يصححوا البوصلة ويقتلعوا الرئيس الذي يحمي حلفاءه ويؤمّن لهم الغطاء السياسي والمسيحي، بدلاً من استخدام العنف الذي يستغله "حزب الله" للترويج لفكرة أن سلاحه هو نقطة فقط في بحر الميليشيات اللبنانية الأخرى.
 
ورداً على العمل السيادي إنما العنيف، أتى المشهد العنصري تجاه "القوات اللبنانية". فقد نظم أزلام الأسد عرضاً عسكرياً فاشياً، لكنه لا يليق بالفاشية الآرية والإيطالية، إذ افتقر العمل العنصري المسرحي للانضباط والجمالية الجسدية التي يمجّدها أصحاب هذه الديانة البائدة. فبحسب الفاشيين هؤلاء، إن قبرص والعراق هما امتداد لبلاد الشام، وإن قتالهم إلى جانب الطاغية بشار الأسد وقتلهم للأبرياء هو خطوة باتجاه تدمير "اليهود" ورميهم في البحر. 
 
ومن حيث المبدأ، يعتبر هذا الحزب "العلماني" أن إنجازه الوحيد يكمن في "إعدام" رئيس الجمهورية المنتخب بشير الجميل الذي "استحق القتل بسبب عمالته مع إسرائيل" سنة 1982، وبحسب العطش نفسه للدم، فإن قائد "القوات اللبنانية" سمير جعجع يستحق المصير نفسه.
 
بشير الجميل بتقديسه أو شيطنته هو موضوع تاريخي وسياسي، تم استهلاكه من مختلف الجهات المتخاصمة. أما مظاهر الفاشية والشعارات الفارغة فتنتمي إلى القرن المنصرم، ولا تهم الجيل الطامح إلى تأسيس لبنان جديد، في حين أن محاولات البعض وصم الآخرين بالعمالة هي مجرد دليل إضافي على إفلاسهم السياسي والأخلاقي.
وجماعة الجماجم بعروضها الهزلية المعادية للسامية لن تخفي الحقيقة الدامغة بأن بشار حافظ الأسد انتخب أمس على أنقاض مدينة دوما المدمّرة والمجبولة بدماء الأطفال والأبرياء من أبطال سوريا، في حين أن أبطال الهلال الخصيب ونجمته قبرص هم شركاء في الجريمة الكبرى وفي محاولة تضليل الأنظار عن جرائم ميشال عون و"حزب الله" اللذين لا يكترثان لإنجازات نبوخذ نصر ولا حنبعل بن حملقار.
 
الحرب على الفاشية بكل أشكالها مستمرة، لكن التحدي الأكبر هو هزيمة تلك الثقافة والعقلية من دون أن يتحوّل المرء إلى فاشي بوجوه جديدة. والتحرير الحقيقي للبنان لا يزال بعيد المنال، وهو يحتاج لشجاعة أسطورية لمواجهة الخطر الحقيقي المتمثل بالاحتلال الفاشي الديني الذي يمارس احتلاله الثقافي والحضاري على سوراقية (سوريا والعراق) الكبرى.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم