إعلان

الوسيط والوزراء الثّلاثة

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
وزيرا خارجية المانيا واسرائيل
وزيرا خارجية المانيا واسرائيل
A+ A-
ثلاثة وزراء وصلوا في الليل، هذا يذكّر بأغاني الأطفال لتعليمهم الأعداد، كانت جثث الفلسطينيين ما زالت تحت أنقاض بنايات غزة، وكان دخان يصعد من أكوام الحقول والبيوت وأشخاص يحفرون بأيديهم ليفتحوا ممرات ليتنفس الأطفال تحت الإسمنت وقضبان الحديد الممزقة، عندما وصل هايكو ماس وزير خارجية ألمانيا، مدفوعاً بـ"قلقه" العميق على "إسرائيل" والمستوطنين في مختلف مناطق فلسطين المحتلة، ومسبوقاً بدعمه لحقها (إسرائيل) في الدفاع عن نفسها، وبخطة من ثلاث نقاط لإحلال الهدوء، تبدأ من بند واضح وحاسم "وقف الهجمات الإرهابية لحماس على إسرائيل"، وتنتهي بعبارات غائمة لا معنى محدداً لها حول "البحث في أسباب الصراع"، ولكنه أضاف الى قلقه على إسرائيل قلقاً صغيراً بمقاييس "إنسانية" على غزة، واقتباساً كلاسيكياً عن حل الدولتين، في المؤتمر الصحافي الذي عقده مع  وزير الخارجية الإسرائيلي غابي أشكنازي. 
 
لا يبدو "الاحتلال" الإسرائيلي وحصار غزة سبباً واضحاً للصراع، ولا تبدو التظاهرات الاحتجاجية في رام الله الرافضة لزيارته واستقباله مبررة، ولا الرأي العام العالمي الذي وقف بأغلبيته ضد العدوان الإسرائيلي. 
هايكو يوسف ماس، السياسي الطموح الذي بنى مشروعه السياسي على محاربة العنصرية ومكافحة انتشار الكراهية، والذي تميزت مسيرته بالبحث الشجاع عن العدالة، يترك هذه الحمولة عند أول منعطف ويهرع ليتضامن مع "الاحتلال" وفاشية المستوطنين ونظام الآبارتهيد، في انفصام واضح، كما لو أن هذه المبادئ صالحة في ألمانيا ولكنها لا تنطبق على إسرائيل.  
 
سيتبعه أنتوني بلينكن وزير الخارجية الأميركي، أنيق ومهذب، ويبدو، لأمر ما، خجولاً، سيصل، في زيارة غير مخطط لها، الى الشرق الأوسط بعدما وضعت إدارة بايدن الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي على رف التبريد خارج أولوياتها، وراء الملف النووي مع إيران والصين وروسيا وكوفيد 19..،  "بلينكن القانوني خريج هارفارد هو أيضاً داعية لحقوق الإنسان، في روسيا ومسلمي الأيغور في الصين، والحريات في هونغ كونغ وإقليم تيغراي في إثيوبيا..، بلينكن أيضاً جاء ليتضامن مع إسرائيل ويدعم حقها في "الدفاع عن نفسها"، وقد وصل مسبوقاً بتفعيل صفقة أسلحة لتعزيز هذا الدفاع بقيمة تقترب من 800 مليون دولار، ولكنه بدا أكثر حذراً من الألماني، إذ أشار في مؤتمره الصحافي الذي أجراه منفرداً، الى الاستيطان والتهجير ودور المجتمع المدني، كانت أقرب الى التمتمة ولكنها "لفظ/ت في البرد" بحسب أحد عناوين الشاعر اللبناني عباس بيضون. 
 
بعد مغادرة بلينكن، وصل دومنيك راب وزير خارجية بريطانيا، راب المحامي والسياسي المحافظ قدم نفسه كصديق قوي وداعم لإسرائيل، وهو مقرب من رئيس الوزراء المحافظ بوريس جونسون، الذي يقدم نفسه بدوره كـ"صهيوني متحمس"، كان في الثمانينات أحد المتطوعين في المستوطنات اليهودية في الجليل، وغسل مع شقيقه لأسابيع طويلة ملابس وصحون ومواعين مستوطنة "كفار هنسي"، راب أيضاً يدعم حق إسرائيل "في الدفاع عن نفسها" من "الإرهاب الفلسطيني"، ويؤمن مثل زميليه بحل الدولتين.
 
تاريخ تأسيس إسرائيل وروايتها الغربية كانت حاضرة عبر الوزراء الثلاثة، وزير بريطانيا، الدولة التي تسببت في الصراع، ووفّرت الوعد بإنشاء وطن لليهود على أرض الشعب الفلسطيني، وحرست ممرات الهجرة اليهودية الى الموانئ والمطارات الفلسطينية، وموّلت وسلّحت العصابات اليهودية، منذ مطالع القرن الماضي الى عشية النكبة. ألمانيا التي وفرت أسباب الهجرة وإقامة الدولة ودعماً متواصلاً تحت بند التعويض عن الهولوكست والتكفير عن ماضيها النازي المعادي للسامية، وأميركا التي تولّت مهمة تغذية الدولة وتسليحها حتى التخمة وبما يفوق قدرتها على الاستيعاب، وتمويلها وتوفير الحماية والتغطية القانونية لسلوكها وعدوانيتها واحتلالها. 
 
وصل الشركاء بالتتابع تحت بند "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، لم يتحدث أي منهم عن الاحتلال أو عصابات المستوطنين الفاشية أو نظام الآبارتهيد القائم من نهر الأردن الى المتوسط، بحسب تعريفات منظمات أممية، بما فيها "بتسيلم" الإسرائيلية.
 
يعرف الوزراء الثلاثة جيداً أن صواريخ "حماس" و"الجهاد الإسلامي" وبقية الفصائل، لا تهدد وجود إسرائيل، ولكنهم يعرفون أن الانتفاضة الموحدة للفلسطينيين في الضفة، بما فيها القدس وغزة المحاصرة ومناطق الـ48، هي التهديد الحقيقي، أو الوجودي بحسب تعبير المكلف تشكيل الوزارة في إسرائيل يائير لابيد.
 
وصلوا لينقذوا الرواية التي تقشر دهانها وسيصعب بيعها بعد الآن، "الدولة الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" تكشفت عن نظام فصل عنصري متوحش، الدولة المستهدفة من جيرانها ومن "الإرهاب" تمتلك فائضاً من القوة وفيضاً من العدوانية ومخزوناً هائلاً من الفاشية الدينية، ثم هناك شعب آخر تحت الاحتلال.
 
هذه ورشة ترميم لسلسلة الخدائع التي رافقت تأسيس إسرائيل في المنطقة، وسيكون من الصعب ترميم تلك الثغرات الواسعة التي ظهرت في سرديتها.
تحدثوا عن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها وعن صداقتهم الشخصية ودعمهم وقلقهم على "الضحايا" الإسرائيليين. في الحديث عن فلسطين أخذ الخطاب منحى المساعدة الإنسانية على أرضية تصنيف الفلسطينيين بين إرهابي ومعتدل.
 
في التصنيف حصل أبو مازن على "معتدل" وحصلت "حماس" على "إرهابي" معتدل، تلك هي النقطة الوحيدة التي احتسبها له الوزراء الثلاثة، وسيحصل بمقتضاها على حق المشاركة في الإشراف على توزيع أموال المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار، وسيط، هذا هو الاقتراح الذي ألقي بين يديه في "المقاطعة"، بعد تجاوز البلاغة وكلاسيكيات حل الدولتين. 
 
سيكون على الرئيس الفلسطيني محمود عباس الكثير الكثير ليفعله في وقت ضيق، إذا رغب في أن يتجاوز هذا الدور.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم