إعلان

في الحبّ من نُحبّ؟ الآخرَ أو أنفسَنا؟

المصدر: النهار العربي
سمير قسطنطين
تعبيرية
تعبيرية
A+ A-
الحبّ، مالئ الدنيا وشاغل الناس! لكن مهلاً، هل هو الحبّ الذي يملأ الدنيا ويشغل الناس، أو شبيهٌ به هو من يفعل ذلك؟ من يدري! هل عندما نحبّ، نحن فعلاً نحبّ الآخر، أو أنّنا عندما نحبّ نعشق أنفسنَا، نُعجبُ بقوّة ذلك الشعور الذي وُلِد فينا، تلك السعادة التي باتت تُرينا الحياة بشكلٍ آخر؟ ليس ذلك فحسب، إذا افترضنا أنّنا في الحبّ، نحنُ نحبّ الآخر، فهل نحنُ نحبّ من هو أي شخصه، أو نحبّ ما هو أي صفاته؟ إذا التقى رجلٌ امرأةً فائقة الجمال والأنوثة، وشعر بانجذابٍ نحوها، وصار يتحدّث إليك عن الحبّ من أوّل نظرة، فهل هو يحبّها وقد مضى على معرفته بها أسبوعٌ فقط؟ أو هو منجذبٌ نحوها انجذاباً يشبه الافتتان؟ أسئلةٌ تشبه أسئلة إيليّا أبو ماضي في الطلاسم. 
 
وما دُمنا في عالم السؤال، فالسؤال الذي يخطرُ ببالي الآن هو: "عندما ندرك أنّ الحبّ قد بدأ عمليةَ اجتياحٍ لحياتنا، هل نحنُ فعلاً نحبّ ذلك الحبّيب الذي اكتنفَنا أو أنّنا نحبّ أنفسَنا"؟ سؤالٌ لا يمكنكَ أن تجيبَ عنه بواقعيّة وأنتَ في حالةِ الغرام والهيام. في هكذا أوقات يأتي الجواب سريعاً أو متسرّعاً على الشكل التالي: "في حبّي هذا أنا أُحبّ الحبّيب. له قلبي وروحي. وأتمنّى أن أبذلَ حياتي من أجلِه. هو أو هي بات كلّ شيء بالنسبة لي". لكنّك عندما لا تكون في هكذا حالةٍ هياميّة يمكنكَ الإجابة على هكذا سؤال بشكلٍ آخر ربّما أو بطريقةٍ معدّلة يبدو فيها الشغَفُ في إجازةٍ وإن كانت العلاقة مستمرّة. 
 
وهذا يأخذني إلى مجموعةِ أسئلةٍ وجدتُ صعوبةً دائمةً في إيجادِ جوابٍ مقنعٍ واحدٍ عنها. فمثلاً: هل فعلاً أنا أُحبّ شخصاً معيّناً، أو أنّني أحبّبتُ فيه مجموعةَ صفاتٍ؟ وإذا تخلّى عنّي هذا الحبّيب ورحلَ، وبعد وقتٍ من الحزن والمرارة وجدتُ هذه الصفات، التي أحبّبتُ الحبّيبَ السابقَ بسببها، وجدتُها في شخصٍ آخر، ألا يمكنُ أن أقعَ في غرامٍ جديد"؟ سؤالٌ آخر: "عندما أُقرّ وأعترف لنفسي أولاً بأنّني "مغرومٌ" بشخصٍ معيّن، أَوَليس ذلك مرتبطاً بنوعِ الشعور الذي تعطيني إيّاه العلاقة، وبنوع السعادة التي تهبُني إيّاها؟ أَلا يتعلّقُ هذا بمشاعر الثقةِ بالنفسِ والبهجةِ والرغبة التي تثيرُها فيّ هذه العلاقة"؟
 
هل فعلاً الحبّ هو مجّاني كما نريد أن نوحي في مرّاتٍ كثيرة في كلامِنا؟ أو أن الحبّ مشروطٌ دائماً بنوعيّة المشاعر الجميلة التي يعطيني إيّاها؟ هل أُحبّه فعلاً أو أنّني "بْجِخْ" بالحبّيب إذا كان رجلاً وسيماً ومتعلّماً وظريفاً وميسوراً ربّما، أو إذا كانت إمرأةً جميلةً ويعترف الناس لها بأنّها جذّابة؟ هل أنا فعلاً "مغرومٌ" به أو بها، أو أنّني أعشق البهجةَ والطمأنينةَ والثقة بالنفس والشعورَ بأنّي قادرٌ على الجذبِ والإحساسَ بالغرور في مراتٍ عدّة؟ وإذا كان الحبّ هو فعلاً حبّاً نحوَ الآخر، فلماذا نحن نفترُ في الحبّ عندما لا تعود هذه العلاقة تُعطينا المشاعر السابقة عينها؟ أَوَلَم تنتهِ علاقاتُ حبّ كثيرة عندما تغيّرَ حجمُ الرغبة الجنسيّة مثلاً، أو تغيّر شكلُ المرأةِ، أو جفّ الحسابُ في البنك أو ضعُفَت كلماتُ الإطراء؟ أَوَلَم يأفلُ نجم حبّ ما، أو حبّيبٍ ما، عندما بِتنا نشعر بأنّه لا يثير فينا الحماس الأول؟ 
 
لو كانَ الحبّ مرتبطاً بالحبّيب فقط ومتوّجهاً نحوه فقط، فإنّ حجمَ التغيُّر أو التراجع في حدّة العلاقة كان ليبقى نادراً أو محدوداً، لكنّ ارتباط الحبّ الوثيق بمشاعري أنا يجعل العلاقة في مرّاتٍ كثيرة عرضةً لتقلّبات ومساومات وقُلْ "مخادعات" للذات أولاً وللآخر في ما بعد، وإنْ كانت هذه المخادعات لا نيّة سيّئة وراءها. 
 
لعلّ الثابتة الوحيدة في العلاقة هي أنّ الحبّ قد يبدأُ انجذاباً أو افتتاناً، أي أنّه قد يبدأ بسبب "من هو الآخر"، لكنّ تطوّر الحبّ واستمراريّته مرتبطٌ إلى حدٍّ بعيد بما هو الآخر أي بصفاته، وتحديداً بطريقة معاملته لي.
 
هل يكون أجدادنا على حق حين كانوا يقولون "الحبّ معاملة". "معقول الشغلة تطلع هيك"؟ سؤال برسم أزمنةٍ كثيرة حاول ناسها أن يجيبوا عنه، لكن من يستطيع أن يفصل أو يجزمَ في ديناميكيّة العلاقة بين ستّة عوامل Factors هي: عقلكَ وجسمك وعاطفتكَ أنت، وعقل وجسم وعاطفة الحبّيب. من يجرؤ على إعطاء الجواب، ومن يصدُق في حديثه عن نفسه وعن الحبّيب في هذه المواضيع؟
 
أنا شخصيّاً أعتقد أنّنا في الحبّ نحن نحبّ أنفَسنا أولاً وثانياً وثالثاً. نحبّ ذلك الشعور الجميل الذي تعطينا إيّاه العلاقة. نعشق تلك السكينة التي تدخلُ إلى ذواتنا. نحبّ كلّ تلك المشاعر التي تموّه نفسها مرّاتٍ كثيرة وتجعلنا نعتقد، أنّنا في الحبّ، نحن نحبّ الآخر فقط. أعتقد أنّ الآخر يأتي في مرحلةٍ تالية. 
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم