إعلان

أردوغان لا يستطيع الردّ على بايدن

المصدر: النهار العربي
خيرالله خيرالله
خيرالله خيرالله
جو بايدن ورجب طيب اردوغان
جو بايدن ورجب طيب اردوغان
A+ A-
 
لم يكن اتصال الرئيس جو بايدن بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان حدثاً عادياً. كان الاتصال، الذي انتظره أردوغان ما يزيد على مئة يوم ودفع في اتجاه حصوله، فرصة ليعلن بايدن عن قرار تاريخي متعلّق باعتراف الولايات المتحدة بحصول المذبحة التي ارتكبتها الدولة العثمانية عام 1915 والتي ذهب ضحيتها مليون ونصف مليون أرمني.
 
تجاهل بايدن أردوغان طويلاً. لم يدرجه في قائمة رؤساء الدول والزعماء الذين استعجل الاتصال بهم بعد دخوله البيت الأبيض في 20 كانون الثاني (يناير) الماضي. ترك الرئيس التركي ينتظر في ما يمكن اعتباره إشارة أولى الى الفتور الذي طرأ على العلاقة بين واشنطن وأنقرة، منذ باشر أردوغان يمارس سياسة عجيبة غريبة لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالسياسة التقليدية لتركيا التي كانت بين أبرز أعضاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) طوال الحرب الباردة، وحتّى في مرحلة ما بعد انتهاء هذه الحرب وانهيار الاتحاد السوفياتي مطلع تسعينات القرن الماضي.
 
يخلّد الشعب الأرمني ومعه كثيرون ذكرى المذبحة في الرابع والعشرين من نيسان (أبريل) من كلّ سنة. أعطى الرئيس الأميركي الذكرى معنى خاصاً هذه السنة، عندما قرر التزام وعد قطعه أثناء حملته الانتخابيّة في شأن الاعتراف بالمذبحة الأرمنية. على الرغم من تشديد بايدن على مسؤولية الدولة العثمانية وتأكيده غياب مسؤولية تركيا الحالية، أي الجمهورية التركية التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك، ثارت ثائرة أردوغان. بدت تلك إشارة الى مدى حنين الرئيس التركي الى السلطنة العثمانية والخلافة، ومدى رغبته في التخلّص يوماً من إرث مصطفى كمال أتاتورك الذي يمكن اعتباره نقيضاً له.
 
سيظل السؤال المطروح: ما الذي يستطيع أردوغان عمله رداً على الإدارة الأميركية ورئيسها. الجواب أنّه لا يستطيع الكثير. ليس أمامه سوى المحافظة على هدوئه ومراجعة سياساته، هذا إذا كان يستطيع القيام بمثل هذه العمليّة التي تتطلب عقلاً سياسياً مختلفاً لا علاقة له بالعقل الذي يتحكّم بتنظيم الإخوان المسلمين والمدرسة التي أسّسها حسن البنّا في عشرينات القرن الماضي، والتي لم تجلب على المنطقة سوى الويلات.
 
سيكون صعباً على أردوغان القيام بمثل هذه المراجعة التي تعني بين ما تعنيه أنّ عليه امتلاك ما يكفي من الجرأة للاعتراف بأن تركيا ليست قوّة عظمى، وأن اقتصادها الهشّ يواجه أزمة عميقة تسبب بها شخصياً.
 
ليس كافياً قيام الرئيس التركي بإعادة النظر في السياسة العدائية التي اتّبعها مع مصر، وذلك منذ وصول الرئيس عبد الفتّاح السيسي الى السلطة نتيجة تحرّك شعبي واسع ضدّ نظام الإخوان المسلمين في أواخر حزيران (يونيو) 2013. يُفترض بأردوغان الذهاب الى أبعد من ذلك بكثير. أي الى الاعتراف بحدود ما تستطيع تركيا عمله وما لا تستطيعه. ليس طبيعياً أن يحاول الرئيس التركي، الذي تفرّد بالسلطة تدريجاً وأبعد عنه أقرب الناس اليه في حزب العدالة والتنمية، تغيير طبيعة دور تركيا في إطار الحلف الأطلسي...
 
لجأ، من أجل تحقيق غرضه، الى مزايدات، من بينها محاولة فكّ الحصار الإسرائيلي بطريقة فولكلورية عن قطاع غزّة عام 2010. انتهت مغامرته الهادفة الى المزايدة على الدول العربيّة في فلسطين، عن طريق تقليد سلوك "الجمهوريّة الإسلاميّة" في إيران، بفشل ذريع. لم يدرك أنّ الحصار الإسرائيلي لغزّة لن ترفعه وتخرقه سفن تركيّة تحمل مواد غذائية تبحر في اتجاه القطاع الذي يتعرّض عملياً لحصارين: الحصار الإسرائيلي وحصار "حماس" التي حوّلت غزّة الى سجن كبير في الهواء الطلق لمليوني فلسطيني!
 
لن تغفر الولايات المتحدة لأردوغان رضوخه لروسيا. فبعدما حاول تحدّي فلاديمير بوتين في مرحلة معيّنة في سوريا، انتهى به الأمر بعقد صفقة منظومة صواريخ "اس- 400" المضادة للطائرات مع موسكو. لم يسبق لدولة تلعب دوراً أساسياً في إطار الحلف الأطلسي أن أقدمت على مثل هذه الخطوة. كلّفت الخطوة تركيا أيضاً الخروج من برنامج تطوير طائرة "اف- 35" الأميركية، وهي الطائرة الأكثر تطوراً في العالم.
 
يمكن إيراد لائحة طويلة بأخطاء أردوغان، بما في ذلك تحديه لأوروبا عبر استفزاز اليونان وقبرص، وإرساله قوات الى ليبيا ودخوله في صفقات من تحت الطاولة مع إيران لمساعدتها في تجاوز العقوبات الأميركية.
 
يبقى الأهمّ من ذلك كلّه الفشل التركي في سوريا. صحيح أن تركيا تحتلّ قسماً من الأراضي السورية في الشمال، لكنّ الصحيح أيضاً أنّها ليست قادرة على إيجاد تفاهم ثابت، لا مع الأكراد ولا مع الروس ولا مع الأميركيين الذين يدعمون الأكراد. أساء أردوغان الى تركيا والى الشعب السوري تحديداً، عندما تلكّأ في توفير الدعم له في السنوات الأولى للثورة الشعبيّة التي استهدفت منذ عام 2011 التخلّص من نظام أقلّوي حوّل مواطنيه الى مجرّد عبيد لديه.
 
تبدو مشكلة الرئيس التركي ذات جوانب عدّة. تختزل هذه المشكلة كلمة واحدة هي الثقة. لا ثقة أميركية بأردوغان. أكثر من ذلك، إنّ موقف جو بايدن منه يمكن اعتباره معتدلاً مقارنة بموقف عدد كبير من أعضاء الكونغرس الذين يدعمون القضيّة الأرمنيّة بقوّة.
 
ثار أردوغان على الإدارة الأميركية. لكنّه لن يستطيع الردّ نظراً الى أن وضعه الداخلي لا يسمح له بذلك. تركيا في عهد أردوغان، مثلها مثل إيران، لا تستطيع لعب دور أكبر من حجمها لسبب داخلي أوّلاً. هذا السبب هو الاقتصاد. ألحَق الاقتصاد التركي الضعيف برجب طيب أردوغان هزيمة ذات طابع شخصي يصعب عليه تجاوزها مهما أقدم على خطوات شعبوية... من نوع تحويل كاتدرائية آيا صوفيا في إسطنبول الى مسجد مجدداً!
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم