إعلان

"الإهمال الشّعبي" في مواجهة "الحوار الوطني"

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
جولة حوار  في القاهرة
جولة حوار في القاهرة
A+ A-
لنقل إنها ثغرة واسعة تلك التي تتمدد بين برامج الفصائل الفلسطينية المتوجهة الى الجزائر في جولة جديدة للحوار، ثغرة تحوّلت مع الزمن ومع تفاقم أزمة النخبة السياسية الفلسطينية، وتهالك بنية "القوى الوطنية"، واستنفاد مخزونها من البرامج والشعارات.... مكوّناً أساسياً من "المشروع الوطني" الذي تمثله،  ولنكن أكثر تحديداً حين نقصد بالفصائل "فتح" و"حماس" على وجه الخصوص، هكذا نتجاوز التعميم الذي يغرق كل شيء في الحياة السياسية الفلسطينية، ونعفي بقية الفصائل من خطيئة الانقسام وتحقق الوحدة معاً، وحصر مأزقها في بقائها وتهالك برامجها.
 
هذا منطقي ويمكن فهمه، المقصود الفروق بين البرامج، وهو مبرر واقعي يمكن استخدامه أيضاً وتسويقه لتبرير "الحوار" نفسه، وسبب لوجود أكثر من فصيل وأكثر من برنامج، هذا يشمل اجتهادات مؤثرة رغم أنها أقل نفوذاً مثل حركة "الجهاد"، أو تمثلها فصائل أخرى تتغذى من الهامش، والأخيرة تتشكل في غالبيتها من اليسار، وتتفاوت في تأثيرها هناك في الهامش، فصائل وصلت من عقدي الستينات والسبعينات من القرن الماضي من دون أن تتأثر في بناها التنظيمية أو هيئاتها القيادية أو برامجها السياسية، رغم أن أشياء كثيرة قد تبدلت، كل شيء تقريباً، كما يحدث للبشرية في نصف قرن، ولكنها تواصل الجلوس تحت شجرة شعارات "خالدة" يعاد إحياؤها وتجديد قداستها من دون ملل، وتحت وصاية قيادات راسخة تواصل تقدمها في السن بموازاة انحسار تأثيرها، بحيث لا يبقى من حضورها سوى اللغة. 
 
لعل نواة التغيير الأهم هي عملية الانتقال العميقة للمركز بعد اتفاقيات "أوسلو" من المنفى الى الوطن، هذا الانتقال الذي وضع الجميع أمام مهمات من نوع آخر، عالم آخر خارج زمن منظمة التحرير وبرنامج المنفى الذي نشأت فيه، وخارج نزعة الإخوان المسلمين في الاستيلاء على الحكم، صدمة اكتشاف المجتمع المدني الفلسطيني وشبكة المنظمات الأهلية التي تطورت وبنت خبرتها تحت الاحتلال، وساندت عبر إبداع شعبي مثير للإعجاب الانتفاضة الكبرى في قطاعات أساسية، الزراعة والصحة والتعليم والدعم الاجتماعي على وجه الخصوص، وقدرتها على توجيه مستلزمات الصمود والاستدامة ودعمها وتوفيرهالحركة شعبية شاملة مثل الانتفاضة الكبرى، لم تؤثر هذه التحولات في برامج الفصائل، ولم تحاول الاستفادة من التجربة الشعبية وخبراتها، وبدل البحث عن شراكة مع هذه التجربة وإعادة قراءة الواقع الجديد، التجأت الى اللغة كملاذ والبلاغة لتعويض الثغرة ومحاولة تغطية المساحات الفارغة بين الواقع والخطاب، البلاغة والإنشاء كبديل لكل شيء، وفي مرحلة ثانية، عبر منظومة قوانين "رقابية"، محاولة تطويع هذه التجربة وإلحاقها بمؤسستها، بما يعني تفريغها من محتواها وفصلها عن بيئتها.
 
الحوار الذي أصبح بديلاً لكل شيء ولـ"البرنامج" على وجه الخصوص، لقد تداعى البرنامج الوطني عبر العقود الأخيرة، المأزق الذي تشكل خلال وجود منظمة التحرير في لبنان ودخولها "الحرب الأهلية اللبنانية" بكامل ثقلها، هو المأزق الذي حملته المنظمة أثناء خروجها بعد حصار بيروت، كان في عنابر السفن التي أخذتها الى المنافي العربية، وفي مخيلة النخبة ونزعات السلطة ومهارات الالتفاف على الحقائق التي اكتسبتها خلال إقامتها في تلك الحرب، تلك السفن واصلت إبحارها حتى وصولها الى اتفاقيات "أوسلو" كميناء وحيد وفّرته العاصفة.  
 
لنقل إن الوضع أكثر تعقيداً من هذا التبسيط، وإن الحوار لا يجري بين سلطة شرعية منتخبة ومعارضة تسعى الى خوض انتخابات تمنحها حق تولي الأمور، ولكنه يجري، أي الحوار، بين سلطتين تحتفظ كل منهما بقطعة من الأرض، من أرض مقسمة تخضع الأولى للاحتلال والثانية لحصار الاحتلال، القسمة لم تحدث على قاعدة الرضا الشعبي أو استفتاء، حدثت نتيجة انقلاب عسكري دموي حصلت بموجبه "حماس" على قطاع غزة، واحتفظت منظمة التحرير ممثلة بـ"فتح" بالضفة الغربية، صراع تراكم بين سلطة الرئيس المنتخب الذي تتولاه "فتح" وصلاحيات "المجلس التشريعي" المنتخب الذي تسيطر عليه "حماس".
 
سيقوم الرئيس بحل "المجلس التشريعي"، في سياق انقلاب هادئ ومتدرج، واستبدال، بقراراته والقوانين التي تنشأ عنها، مراسيم رئاسية منحها المحيطون به "قوة القانون الأساسي"، وستواصل "حماس" انقلابها وتؤسس هيكل "دولة" مثيراً للشفقة، عملية نسخ بائسة لقوانين ومؤسسات أكثر بؤساً.
 
الأمر كان دائماً يسعى في هذه الدائرة تحت مسمى "الحوار الوطني"، محاولات من الطرفين للحصول على أشياء إضافية، وحيلة إلهاء لتمرير الوقت وتكريس الوضع القائم عبر منحه مواصفات وطنية، الخلاف كان بطريقة ما على تقاسم الصلاحية والمحاصصة بين الفصيلين، اتفاق غير مكتوب لإدارة الانقسام بانتظار شروط أفضل وموازين قوى مختلفة.
 
قد يبدو هذا الاستعراض المختصر نوعاً من الرثاء لفكرة "الحوار الوطني"، وهو حوار فصائل لا أكثر، حوار يفتقر الى المكوّن الأساسي وهو هنا الشعب، الشعب الذي لم يكن شريكاً في الانقلاب والانقسام والحوار، حوار أصبح بديلاً لكل شيء.
 
لعل هذا يساعد على تفسير حالة الإهمال العفوية التي ينظر عبرها الشارع الفلسطيني الى جولات "الحوار الوطني"، بما فيها جولة الجزائر. 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم